المقالات

سينما النجم الأحمر بعطبرة…أول دار عرض للسينما في السودان.بقلم.. هشام عباس زكريا

* شهدت البلاد خلال الأعوام الجارية فعاليات الاحتفالات بمئوية السينما السودانية وقد كانت الصورة غائبة عن الجهات التي تهتم بالسينما في السودان والمعلومات التى برزت لم تنطلق من حقائق تاريخية ، فالمواطن يعتبر أن السينما السودانية قبرت منذ زمن طويل لكن نفر كريم أراد (حولية) للسينما السودانية فظهرت على السطح جماعة السينما السودانية التي احتفلت بالمناسبة في الخرطوم والأُبيض وعطبرة من خلال عرض بعض الأفلام الروائية والوثائقية والحق يقال إن جماعة السينما السودانية نجحت في إحداث الحراك ولفت الانتباه ولكن بمتابعتي للصحف علمت أنَّ هنالك اتحاداً للسينمائيين ويبدو أن هنالك عدم توافق بين هذا الاتحاد وجماعة السينما السودانية حيث برز ذلك من خلال التراشق الصحفي بين الفئتين وعلى كل ذكرني ذلك بمسرحية (شاهد ما شافشي حاجة) حيث خاف عادل امام على معدات التلفون ثم استدرك قائلاً: (أنا ما عنديش تلفون) وهنا يبرز السؤال المهم، أين هي السينما السودانية حتى يكون هنالك اتحاد للسينمائيين وجماعة للسينما وعراك في لا شيء.
* أما ما دعاني لكتابة هذا المقال فهي الحلقات الإذاعية في الإذاعة السودانية التي قدمتها جماعة السينما السودانية عن تاريخ السينما في السودان والتجاوز الواضح لإسهام مدينة عطبرة في الريادة لهذا الفن وتصحيحاً لكثير مما ورد في هذه الحلقات والتي أدعو إدارة الاذاعة لمراجعتها حتى لا تحفظ معلومات خاطئة عن تاريخ السينما في السودان نقول إن سينما النجم الأحمر في عطبرة هي أول سينما عرفها السودان وكان ذلك في العام 1931م وبعد ذلك بـ (3) سنوات انشأ الجيش الانجليزي في موقع قريب من معسكراته على شاطئ النيل الازرق بالخرطوم داراً للسينما هي سينما النيل الازرق في العام 1934م وكانت عبارة عن خدمة لأفراد الجيش والمدنيين والأجانب الذين كانوا يعيشون في الخرطوم ولم يكن مسموحاً للمواطنين السودانيين من ارتيادها ومشاهدة الأفلام المعروضة فيها إذا كان قصد الحاكم العام آنذاك ابعاد عامة الجمهور السوداني عن مشاهدة أفلام ربما تعطي فكرة سيئة عن العالم الأوربي، وفي العام 1935م تم إنشاء سينما كلوزيوم لتكون السينما الثالثة في السودان.
* لقد تم انشاء السينما السودانية الأولى “النجم الأحمر” في الحي البريطاني بمدينة عطبرة بجوار موقع كلية الطب الحالية التابعة لجامعة وادي النيل، فقد قام شاب من الأقباط هو الأستاذ “جون إسكندر محروس” بتأسيس السينما بهذا الحي الذي تحول اسمه إلى حي (السودنة) بعد الاستقلال فقد اهتم الإنجليز بهذا الحي وبنوا منازله على احدث الطرائق المعمارية وغرسوا الاشجار الظليلة الباسقة والحدائق الغناء الجميلة وصاغوا منه قطعة معمارية فريدة في تلك البيئة حتى يظن الناظر أن الحي قطعة من لندن أو إحدى المدن الأوربية الحديثة وتمَّ توطين الخدمات ومرافق الترفيه من أندية وحوض سباحة وملاعب رياضية ومنتزه لذا كان طبيعياً أن تنشأ في هذا الحي دار للسينما لتمثل أول سينما سودانية وبجوارها استاد عطبرة الذي تأسس في العام 1927م حيث عرف أيضاً السودان كرة القدم من مدينة عطبرة.
* إنَّ السمة التي ميزت سينما (النجم الأحمر) أنها كانت مفتوحة لكل طبقات المجتمع من سودانيين ومصريين وانجليز وشوام وجنسيات أخرى كانت تمثل المجتمع العطبراوي ولكن ما كان يسمح لغير الأفلام الوثائقية التي تمجد الانجليز أن تعرض حيث تكون المشاهدة غالباً بالمجان، بعد ذلك وفي العام 1949م انتقلت النجم الأحمر الى مبانيها الجديدة شرق استاد عطبرة تحت اسم “عطبرة الجديدة” وأطلق عليها صاحبها جون إسكندر سينما “بيرفس” تقديراً للمفتش الانجليزي في عطبرة الذي ساعده في هذا العمل.
* إن انطلاق أول دار للسينما بالسودان بمدينة عطبرة مهَّد طبيعياً بأن تكون المدينة هي مسرح أول فيلم روائي سوداني الذي انتجه الرشيد مهدي بعطبرة في العام 1966م ليصبح بذلك الرشيد السينمائي السوداني الأول في عالم الفيلم الروائي وكان مكان تصوير الفيلم منطقة السيالة بعطبرة والسكة الحديد وشوارع حي السودنة وسوق السبت بالدامر وتم العرض الأول للفيلم في يوم 28/2/1968م بمنزل المرحوم حسين محمد أحمد شرفي محافظ المديرية الشمالية في تلكم الفترة بحضور السيد كالولو وزير النقل والمواصلات الزامبي والذي جاء الى عطبرة لاختيار عمال من السكة حديد لتأسيس وبناء سكك حديد زامبيا.
* لقد عالج الفيلم الروائي الأول قضايا نابعة من الواقع السوداني حيث يحكي قصة مزارع بسيط وزوجته المرأة الصبورة التي تجتهد لإتمام منزلها المبني من الجالوص وفي ذلك تصنع الصناعات اليدوية الصغيرة وتبيعها بينما تدور الاحداث في قرية صغيرة ذهب (نخبة من أبنائها للدراسة بالخرطوم) ويدعو الفيلم للوطنية وتعميق روح التعاون والدعوة إلى البناء والتعمير.
* لقد أبرز الفيلم الروائي والسينمائي الأول القيم الدينية للشعب السوداني من خلال المشهد الأول الذي صور السماء بصوت الآذان والمئذنة السامقة لمسجد عباس محمود بعطبرة ثم بطل الفيلم الأستاذ عبد الرحيم عبد الله وهو على سجادة صلاة الصبح وكأن المخرج الأستاذ حسين ملاسي يريد بذلك بداية روحية لفيلمه تعبِّر عن سمات التدين للشعب السوداني وعكس الفيلم أيضا بعض ظواهر التقاليد السودانية القديمة مثل احتفال (الطهور) وعادة الذهاب في زفة إلى نهر النيل لجلب البركة اضافة الى ذلك فإن الفيلم قدم ممثلين لأول مرة يقفوا امام كاميرات وكانوا من صفوة المجتمع الأمر الذي يعبر عن اهتمام النخبة بالفن السينمائي بالسودان كما قدم الفيلم صوت غنائي جديد هو الاستاذ محمد جبارة الذي كان في السابعة عشرة من عمره حيث قدمه الاستاذ الرشيد بأنه مطرب ناشئ وكان الفيلم فرصة طيبة ليقدم الفنان حسن خليفة العطبراوي ابداعه مشاركاً في واحدة من المشاهد مغنيا بفرقته الموسيقية الأمر الذي جعله أول مغني سوداني يشارك في فيلم سينمائي سوداني مع محمد جبارة وقد اهتم أول فيلم روائي سوداني بمشاركة المرأة السودانية فقامت الفنانة ليلة حسن بدور في بطولة الفيلم لتكون بذلك أول ممثلة سينمائية سودانية وتدخل تاريخ السينما السودانية عبر هذه البوابة.
* لقد تم عرض هذا الفيلم في بداية السبعينات في كل دور العاصمة والولايات ومثل فيه عبد الرحيم عبد الله، الطيب حسن الطيب، عبد الرحمن مصطفى، حسن خليفة العطبراوي، علي بن عوف، ليلى حسن، جعفر أحمد، جعفر عز الدين، عيسى محمد الطيب، الطاهر محمد عثمان، حبيب الله قسم السيد، محمد عوض، عثمان علي فضل، مصطفى وهبة، أحمد ابراهيم نوري، أجيني بلبك، يوسف بخاري، عمر فتح الرحمن ثورة، خضر مهدي، عبد المنعم محمد عبد الله، والطفلين في تلكم الفترة سيف الدين الرشيد وعباس خضر مهدي هذا بالاضافة الى الموهبة الناشئ في ذلكم الزمان محمد جبارة وفي الجانب الفني فقد كانت القصة والسيناريو والإنتاج للأستاذ الرشيد مهدي أما الإخراج فكان للأستاذ حسين ملاسي نائب مدير مدرسة عطبرة الثانوية القديمة في تلكم الفترة ومكياج صمويل قليني وأحمد يوسف وقامت فرقة بوليس السكة الحديد بالموسيقى التصويرية بينما نفذ الخطوط عثمان أحمد الطيب والمراسلات والترجمة والاتصال الخارجي قام به حسن محمد عثمان القاضي.
* إنَّ الاحتفال بمئوية السينما السودانية كان ينبغي أن ينطلق بهيئة السكة الحديد حيث احتضنت أول دار للسينما في السودان بينما كان أول عرض سينمائي وثائقي في الأبيض من العام 19012م بمناسبة وصول السكة الحديد إلى هنالك اضافة الى ذلك فإن المهنيين والممثلين لأول فيلم سينمائي سوداني كانوا عمالاً وموظفين بالسكة الحديد لذا تم تصوير الكثير من المشاهد داخل قطار السكة الحديد.
* إنَّ الاحتفال بهذه المئوية كان يجب أن يكون احتفاءاً بعبقرية الأستاذ الرشيد مهدي الذي رحل عن دنيانا قبل سنوات وهو المهني البسيط في ورشة النجارين بالسكة الحديد الذي استطاع أن يقنع استديو (داناتو) بإيطاليا لطباعة الفيلم السينمائي الأول وكانت له رؤية فكرية لتطوير العمل السينمائي بالسودان وكثيراً ما كان يحلم أن تكون عطبرة هي (هوليود) السودان وكان يعد للسينما السودانية فيلم (الشمس المشرقة) و(أسد الصحراء)، الذي يحكي عن حياة قبيلة (الرشايدة ) لكن الأيام لم تزعفه لتحقيق هذا الحلم.
* إن الابحار في سواحل التعريف والذكرى لا يمكن أن يقدم سينما سودانية تعبر عن الإرث السوداني فكم من أفلام سينمائية يمكن ان تقدِّم السودان من خلال أحداث السلطنة الزراقاء والاحتلال التركي والثورة المهدية ثم الإحتلال الإنجليزي وتضحيات الشعب السوداني وكم من (عمر المختار) في السودان يمكن أن يجسد بطولة السودانيين واقدامهم.
* إن ادماج الفن السينمائي في المشروع الحضاري الذي تبنته السلطة في السودان يظل عملاً أهملته الحكومة وتم تصفية مؤسسة السينما وإغلاق دورها ولكن حلقات هذا المشروع لن تكتمل بدون الاهتمام بهذه الدوائرالثقافية وتشجيع الانتاج السينمائي.


مواضيع ذات صلة

الجهاز ، بين الجاهزية والإجهاز بقلم : عمار العركي

عزة برس

بُعْدٌ و مسَافَة ..مصطفى ابوالعزائم يكتب: فرصتنا أجل الوطن

عزة برس

كلمة حق.. حتى لاتضيع الفشقة..هشام كرار

عزة برس

بينما يمضي الوقت.. أمل ابوالقاسم تكتب: (البلد محروسة)..ولا نامت أعين (العملاء)

عزة برس

عز الكلام .. أم وضاح تكتب : القومة ليك ياجيشنا !!

عزة برس

على كل ..محمد عبدالقادر يكتب: استهداف الجيش.. و (صح النوم يا استخباراتنا العسكرية)

عزة برس

اترك تعليق