المقالات

يا إلهي أكون سعيد وأمشي في شري وألحق العيد.. كلمات في حق المبدع الراحل عيسى بروي… ذكرى الرحيل السادسة بقلم : بروف هشام عباس زكريا

هناك في قرية توسدت عمق بحيرة سد مروي, في الكاب الأنيقة، الكاب الرمال والطبيعة وأصالة الانسان، جاء الفنان (عيسى بروي) …عشق المناصير الأنسان والمكان فعشقته… وتجول في جزر المناصير وشواطئها…نشأ في (شيري) الجميلة التي كان يلحق فيها العيد…وبها كانت بدايات (بروي ) الأولى حيث قدم فناً أصيلاً بالحان ممزوجة بماء النيل وطميه وخضرة شواطئه ،وبكلمات تعكس روح انسان المناصير المتوثبة للتضحية من أجل الوطن …كانت البدايات هناك في هذه الجزيرة (القربان)…فهي عروس النيل السمراء التي قُدمت (قرباناً ) لبحيرة سد مروي …اختفت العروس إلا من رؤوس نخل شاهدته قبل عامين يقاوم أمواج البحيرة …النخل هناك يصارع موج البحيرة …وينتصر وتمتد ( جرائد النخل) خضراء فوق السطح وكأنها علامة النصر …ومجموعة من المناصير يراقبون النخل ويأبون الرحيل ويقطنون في طرف بعيد على قلعة عالية في الجزيرة لم تصلها المياه….ويعبرون بقارب صغير يومياً من مسكنهم الى العاصمة الجديدة( الطوينة) ويحيُون سموق النخل ومقاومته الرحيل ….تحت هذا النخل كان يصدح (عيسى بروي) بصوته الجميل…كان ينظم الشعر للزرع والأهل …كان يبعث قيم الشجاعة والكرم والإقدام ، كان يقول ( منصوري موقد نار انا) إنها نار شجاعة المناصير وكرمهم …النار التي جعلت من هذا النشيد السلام الجمهوري للمناصير …إنها مفتاح مشاعر المناصير التي تجعلهم يحتفون بقيمهم عندما يصدح بروي بهذه الاغنية..
ظل بروي محباً للمناصير ينظم الشعر فيهم ويلحنه ويغنيه ففي إحدى اغنياته يقول:
قبيلة القيم المورث
الأصيلة المعروف سلوكه
بلد رأس مالها الرجالة
جنود البوغة و ملوكه
رجالاً ترفيها خدمي
ورقيص نسوانا سلوكه
طواري النقعة صفاقه
وتقات الهجعة دلوكه
هذا عيسى بروي يغني لأهله كلام الشجاعة والإقدام في زمن أصبح معظم الغناء لا يدعو الى الفضائل….
ثمة علاقة انسانية ووجدانية ومتاعب واجهت جزيرة شيري وعيسى بروي…شيري الآن تحت المياه غارقة …وبروي عانى ما عانى قبل رحيله …وهو الآن كما جزيرة شيري تحت التراب بعد حياة حافلة بالبذل والعطاء والانسانية المتدفقة
بعد هجرة المناصير وتوطينهم …حدث ما حدث …وتحمل الفنان( عيسى بروى) عبئاً كبيراً …والمجال هنا لا يسمح أن نستعرض تفاصيل تلكم الحادثة التي تعرض لها وأقعدته سنين يكابد المرض بمهجره بالمناصير الجديدة بالمكابراب شرق
كنت أزوره بين حين وآخر بمنزله …وأستمع لحلو حديثه وأناقة عبارته وعمقه وحكمته …ما يميز عيسى أنه فنان متعدد المواهب فهو روائي (حكاء) من الدرجة الأولى لا تمل حديثه وهو أيضاً شاعر حكم ومواعظ وغزل برئ بالإضافة الى ذلك فله مدرسة لحنية مميزة وصوت متفرد حنون طروب وفوق ذلك احساسه المفرط بالوطن فعن جزيرة شيري موطنه الصغير يقول:-
شري الخضرا
شري النضارة
نسيت قلبي وسط خدارا
شري القمرا الفوق مدارا
تشع أنوارا بهارا
تشوف بي فوق العمارة
وتحت جنات بي ثمارها
شبابه الذوق والنضارة
مثقف مليان حضارة
مناي ربي أروح زيارة
من المركب لي دياره
الشنط طلعوبه الحدارة
الولاد قدامنا تنجارى
سريع أخدوها البشاره
الخِبير من (جاره) لي جاره
وأعيش إنشاء الله في السارة

آه
بعيد مالي أنا يا خسارة
نجد أثر التصوف واضحاً في شعر وغناء عيسى بروي واستطاع ادخال (الطمبور) الى المديح، فقد نشأ في منزل يعقد الحوليات وكان والده الشيخ / المقدم أحمد محمد الامين الشهير ببروي قبلة لأهل التصوف خاصة ( الختمية) وكان يقيم بمنزله المدائح النبوية التي كان (عيسي بروي) يحفظها منذ الصغر ويشارك فيها…أتذكر أننا كنا نتحدث عن الكرم في السودان فسرح عيسى بعيداً عنا وسقطت دموعاً من مقله وقال لي ( أكرم الناس كان أبي ) كانت الدموع تنزل من مقله فرحا عندما يأتي ضيوف الى منزلنا ….ويا له من كرم !!!
وهكذا أيضاً كان (عيسى بروي) تهطل الدموع من مقله عندما نزوره فرحاً بنا …لم يكن (عيسى بروى) كثير الغناء فقط بل كان كثير البكاء …شديد الاحتفاء بالقيم السودانية عاش بروى بسيطاً رغم ما انفتح له من أبواب الشهرة ..ومات بعيداً عن الأضواء في قريته بعد مساء أمضاه مع زملائنا في اذاعة عطبرة وهم يقدمون البرنامج الرائع برش رمضان الذى يبثونه كل يوم من برش في مكان بولاية نهر النيل أيا شهر رمضان الكريم
بدأت مدرسة( بروى ) الفنية تتمدد منذ بداية السبعينات في جزيرة ( شيري) ولكنها تحولت من المحلية الى القومية بعد عمله بالسكة الحديد مما أتاح له التنقل في العديد من المدن السودانية مثل الخرطوم ومدني وبورتسودان وغيرها وخلال هذه الجولات التقي بعدد من الشعراء والملحنين والفنانين فتطورت تجربته واتصل بشعراء خارج الوطن حتى جاءت أشهر أغانيه (بيوت الطين القديمي) التي صاغ كلماتها الشاعر أحمد سيد أحمد بلول في العام 1987م بأبي ظبي، وقام بتلحينها وغنائها بروي نفسه وهي تحكي شجن الغربة والبعاد والشوق للأهل والأحباب ويقول مطلعها:-
بلاد الريد والمحنة وبيوت الطين القديمي
السلام ليك يعم يطوفك يحلق في سماك ديمي
بعيد عنك يا بلدنا مصاقر الغربة اللئيمي
معاي في البال ما بتغيبي صور
في عيني تتراءى
ومشاهد حلوة وعظيمي
عيد عنك يا بلادي حياتي أنا ماليها قيمي
لازم أرجع ليك وأضحك وأعيش أنا فيك لاديمي
لم يكن عيسى بروي فناناً منفصلاً عن مجتمعه بل كان يتأثر بكل موقف ويتفاعل معه وأذكر أنه اتصل على هاتفي ذات صباح فأخبرته أنني مرافق لوالدتي المريضة بالمستشفى وتستعد لإجراء عملية جراحية فظل وهو مريض في فراشه يتصل صباح مساء، كنت أشعر في صوته المواساة الحقيقية وأصبح يرسل للوالدة دعوات الشفاء في قصائد غاية الروعة وكنت أقرأ عليها قصائد (بروى) فكانت جرعات من الدعم النفسي تجاوزت بها المرض ولو جمعت هذه الرسائل لكانت مقاطع بالغة الروعة في أدب الدعاء للمريض بالشفاء على طريقة لا يتقنها الا بروي،
كان لعيسى بروى لونية مختلفة في شعر الغزل فهو هجين بين مدرسة الحقيبة والشعر الشعبي الحديث ويقول في إحدى قصائده:-

تقول من نور هي مخلوقه
وربنا شال من أحلى صفات ردم فوقه
سمح لونه وسمح رسمه وسمح زوقه
كليمي كليمي ديمي حديثها بي روقه
مبوبح جيدها ماهو قصير ومخنوقه
وشيها قميره مافي سحابي بي فوقه
مضمر هافه ديمي تشوفه محزوقه
مدلى سبيبه مافي سبيبي ملتوقه
حليلي أنا داير أموت يالله بي شوقه
متين ترجع لي تاني تداوي معشوقه
ربنا زاد جمالها زيادي مطبوقه
من بنات الحور هي من الجني مسروقه
تجيني غبيني لو في زول قطع فوقه
اتحرق بي صحي لما ألقاها محروقه
دائما ما يربط عيسى بروى بين الوطن والحبيبة فكانه فاروق جويدة حينا قال:-
ولو خيرت في وطن لقلت هواك اوطاني
انظروا هذا المقارنات اللطيفة لعيسى بروي:-

غرد لينا يا شادي
شذا الأفراح لي بادي
ومسافر باكر بلادي
منادي الشوق لي ينادي
والفرح جاني بلا عدادي
يصل مطبوق وفرادي
وصل لي دنيا السعادي
وبعيد يا هم غادي غادي
تمهد لي الإرادي
ويكون زولي على إنفرادي
معاهو أطول قعادي
تلات ساعات أو زيادي
وتكون سنه لو بي مرادي
ده أجمل زول في بلادي
صفات سمحي بلا عدادي
شبيهة السارحي في الوادي
وقميره مضوي البوادي
خصرو نحيل ما اعتيادي
وقوام ممشوق ماهو عادي
قلت يكون ماهو راضي
قدم عيسى بروى أجمل الاغنيات الشعبية منها.. أمونة بت الشيخ حمد والجدي الدابك رضيع وزولي الكنت طيب ورانيا عصفورا شدالي ويا خلا شفت السمحة مالت وانتنت رجفن عضاي كرعي ، وزولي الكنت طيب وغيرها من الاغنيات الخالدات
أكتب هذا المقال وقد نعت الأوساط الفنية الاستاذ (عيسى بروى) وثمة رجاء من الزملاء بإذاعة عطبرة وعلى راسهم الزميل طارق الفكي عبد الرحمن أن يجمعوا ما سجله عيسى بروى للإذاعة في شريط خاص به و(عيسى) كما أعرفه كان يسمح لكل الفنانين بترديد أغانيه دون شرط أو قيد في ظاهرة نادرة تستحق التمعن
ونختم بالعزاء لأنفسنا ولأهلنا المناصير ولكل السودان في هذا الفقد الكبير ونخص بالعزاء اسرته الصغيرة الابن المهندس مهند واخوانه ولكل أهالي المناصير الجديدة بالمكابراب بقراها المتعددة
انا لله وانا اليه راجعون


مواضيع ذات صلة

عبدالماجد عبدالحميد يكتب : لماذا كشّرت الأجهزة الأمنية والمخابراتية وعجلت بطرد (الخواجية) روزاليندا مارسدن(72) عاماً ؟!

عزة برس

لا يقع الثائر في خطأ واحد مرتين!!..خالد الاعيسر

عزة برس

اجراس فجاج الارض .. عاصم البلال الطيب .. ويلز لو أدركها سهل ..نهر يتفجر من جوف النهود

عزة برس

أمصال وإبر ..د. وليد شريف عبدالقادر يكتب: السودان في منزل الهندي عزالدين

عزة برس

تأملات.. جمال عنقرة يكتب: البرهان .. أكرب قاشك

عزة برس

شيء للوطن ..م.صلاح غريبة يكتب: أهمية حماية أنواع التعبير الثقافي

عزة برس

اترك تعليق