المقالات

علي كل.. محمد عبدالقادر يكتب : محكمة التريليونات.. فساد العملة والمرابحات الصورية

الخميس الماضي كنت حضورا لجلسة محاكمة نوعية وغريبة وخطيرة في مجمع الشمالي بالخرطوم ، الشاكي شركة كبيرة والمدعي عليه شاب صغير لم يبلغ الثلاثين من عمره اما المبلغ موضع النزاع بين الطرفين فهو ( 26) ترليون واربعمائة واربعين مليارا) من الجنيهات السودانية تطالب بها الشركة المتهم عدا نقدا.
في هذا المحكمة فتح المتهم -عبر افاداته – النيران علي الجميع حتي نفسه – مرشحا المداولات لانتاج ( قضية راي عام بامتياز) مرتبطة باطراف مؤثرة في المشهد الاقتصادي ، (بنوك وشركات كبيرة .. تجارة العملة ومرابحات صورية)..
ضخامة المبلغ تشير الي طبيعة التعاملات بين الشركة الكبيرة صاحبة السمعة التجارية والمتهم الصغير، لن تزول حيرتك عزيزي القارئ الا اذا علمت ان المتهم كان يشتري العملة الصعبة من السوق السوداء للشركة بعمولة متفق عليها ولفترات طويلة وان العلاقة توسعت بعد ذلك لتشمل توفير اسماء عمل استطاعت عبرها الشركة الحصول علي اموال من احد البنوك ومرابحات صورية لا اصل لها بالواقع، الشركة _حسب افادة الشاكي_ كانت تقوم كذلك بشراء العملة وبيعها بعد ذلك بارباح طائلة بينما كانت ( الحسابة بتحسب) وعمولته تزداد.
اصبح الشاب الصغير حلقة وصل بين الشركة ومفاصل سوق العملة ، يوفر الدولارات والزبائن البائعين وارقام الحسابات، ووصل الامر بصاحب الشركة ان طلب منه حسب افاداته توفير دولارات من السوق السوداء لشراء مبلغ تعويضات ضحايا المدمرة كول وبغطاء من مسؤول في المجلس السيادي حسب الاقوال المدونة في محضر استجواب المتهم خلال الجلسة الاولي.. وقد فعل الشاب..

وفي اثناء هذا النشاط كشفت مباحث التموين سير عمليات المرابحات الوهمية التي كانت تقوم بها الشركة وتشتري عبرها دولار السوق الاسود، وتحوله خارج البلاد، واحتجزت المتهم في حراساتها بعد ان القت القبض علي صاحب الشركة بالطبع والذي خرج بعد ذلك بينما بقي المتهم في حراسته دون ان تصدق له الضمانة او يحول للمحاكمة للحد الذي اضطر اهله للاعتصام وقطع الطريق امام مكتب النائب العام.

تدخلت لجنة ازالة التمكين في القضية وبدا واضحا ان التشديد علي المتهم كان اكبر من اهتمام السلطات بالقبض علي جميع المتورطين في القضية، فالمتهم لم يكن الا وسيطا يتعامل مع طرف اخر كما ان هنالك بنك متورط في تمويل المرابحات الصورية بالاضافة لاسماء عمل عديدة برزت في ابرام الصفقات المريبة والمشبوهة.
خرجت من المحكمة باحباط غريب واستياء شديد، محدثي الذي دعاني للحضور كان موفقا في تحريضي بالقول : تعال تابع كيف تدار البلد ويدمر الاقتصاد ، هذا القول لاصلة له بتعاقب الانظمة يبدوا ان الداء موروث والفساد الذي نخر جسد جهازنا المصرفي قديم، ولكن ما ادهشني وكان مصدر حزني وانا استمع لافادات المتهم انه لم يتغير شيئا ف(المناظر هي ذاتا والصور نفس المشاهد).
بالطبع لايعلم احد كم قضية من هذه هذه الشاكلة لم تصل المحكمة وكم من الاموال تم سحبها من البنوك لشراء الدولار واشعال السوق السوداء وكم شركة تغطي علي نشاطها في تخريب الاقتصاد باعمال تجارية وهمية..
تامل عزيزي القارئ كيف كانت تخرج المرابحات بعلاقات بيع صورية شارك فيها بنك كبير حسب افادات المتهم امام القاضي.. وشرح كيف تدخل الكبار لتمويل شراء العملة لتعويضات المدمرة كول بمبلغ يصل الي اربعة تريليونات جنيه..
سيكون الراي العام امام قضية خطيرة اشتملت علي كثير من الممارسات المضرة باقتصادنا الوطني ، وسيستمع لافادات مشحونة بكثير من الخيبات والمرارات التي جعلت من المتهم يرفع شعار ( علي وعلي اعدائي) ..ولكن لاباس اذا كانت شفافيته تحقق مصلحة البلاد العليا وتعري الواجهات وتوضح خرائط الطريق نحو مكافحة الفساد …هذه القضية ستجر كثيرين ننتظرهم في المحكمة ليخبرونا لماذا وكيف فعلوا ذلك؟!


مواضيع ذات صلة

همس الحروف.. تجميد قرار زيادة تعرفة الكهرباء (إنجاز بحجم وطن)… شكراً جزيلاً برطم بقلم :الباقر عبد القيوم علي

عزة برس

سيوف ناعمة.. جبريل والدوشة بقلم : عائشة الماجدي

عزة برس

فتح الرحمن النحاس يكتب : أحذروا ألغام فولكر..

عزة برس

بعد بيان الترويكا والاتحاد الاوربي ..عراقيل دولية امام الحكومة السودانية

عزة برس

بيانات الترويكا الدولية، ومستقبل الإنقلاب.. بقلم: د. علي مالك عثمان

عزة برس

جهاز الأمن بين الجاهزية والإجهاز بقلم : عمار العركي

عزة برس

اترك تعليق