الأخبار

أولويات التفاوض القادم.. بقلم: د. علي مالك عثمان

بعد أن بدأت تلوح في الأفق بوادر بدء مفاوضات مع العسكر، وفَّرَتْها المبادرة الأممية التي أعلنها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة في البلاد مؤخراً، ورحبت بها دول الخارج المؤثِّرة في الشأن السوداني، كما رحبت بها أغلب قِوىٰ الحراك الثوري في الداخل، بدأت تكثر في الأسافير تسجيلات وبوستات ترسم مطالب الثورة والثوار من المكون العسكري في هذه المفاوضات المتوقع انطلاقتها قريباً، وتضع خطوطاً حمراء لا يجب تجاوزها لكل من يتفاوض مع المكون العسكري، وتدَّعي أن الشارع لن يقبل بأقل من هذه المطالب، وأن الثوار سيعودون للشارع إذا لم تتحقق كل هذه المطالب كاملةً وغير منقوصة.

في تقديري أن معظم هذه المطالب جَنَحَت إلى رفع السقف، وهذا في بداية أي تفاوض تكتيك لا غبار عليه. كما أن أغلبها ركَّـز على الكلام الإنشائي الطويل، وذَكَرَ بنوداً لا جديد فيها، وهي في الواقع محل إجماع من قِـبَل الثوار.. وفي تقديري أنَّ هذا نابعٌ من الحرص على ألا تأتي المطالب منقوصة، ولا يفوتها شيء، حتى يُكْـتَب لها القبول عند كل من يسمعها أو يقرأها..

لكن في ظني أن طرح كل تلك البنود دفعة واحدة، والمساواة بينها جميعاً في الأهمية، هو طرح غير عملي، وقد يؤدي إلى ضياع تحقيقها مجتمعةً. لذا أرىٰ أنه من أجل أن يخرج المفاوضون مع العسكر بصفقة ممتازة، تحقق معظم أهداف الثورة، يجب في ظني أولاً تحديد العقبة الكؤود وأمَّ المشاكل، والتي بدونها لا يمكن تحقيق أي أهداف أخرى من أهداف الثورة، والإصرار عليها بشدة، وعدم التنازل عن تحقيقها مهما الظروف، ومهما كانت تكتيكات ومغريات ومطالب الطرف الآخر..

في تقديري أن هذه العقبة الكؤود، وأمَّ المشاكل، هي البحث في سبل وآليات تحقيق العدالة الانتقالية، مع إيجاد ضمانات مناسبة للعسكر، تضمن لهم عدم المساس بهم، مقابل إنسحاب كامل لهم عن المشهد، وتسليمهم السلطة كاملة وغير منقوصة للمدنيين..

العقبة الكأداء الثانية، التي تلي عقبة العدالة الإنتقالية في الأهمية، هي في ظني وضع القوات المسلحة في خارطة المشهد السياسي، وتحديد مهامها ودورها بصورة واضحة وقاطعة، تمنع عودة الانقلابات مرة أخرىٰ وللأبد..

العقبة الكأداء الثالثة هي حل معضلة المليشيات، وخصوصاً مليشيا الدعم السريع، وإقناع قادتها بضرورة استحقاق دمجها في الجيش الوطني الواحد، وإفهامِها أن هذا استحقاق لا يمكن القفز والتحايل عليه، أو تأجيله تحت أي ظرفٍ من الظروف..

هذه هي البنود الثلاثة التي يجب أن تكون لها الأولوية في التفاوض، والتي يجب أن تعلو على ما عداها عن أيِّ مطالبٍ أخرى، ولا يجب بحث أي مطالب أخرى قبل حسمها والوصول فيها لما يُرضِي الثوار، ويحقق تطلعاتهم، وذلك لكي لا يتشتت الجهد، ويغرق المفاوضون في شبر ماء، ونعود بعدها للمربع الأول مرة أخرى.

أيضاً في تقديري ما أضرَّ الثورة في المرحلة الماضية أكثر من التشتت في تحديد الأولويات، وهذا في ظني نابعٌ من عدم القدرة على تحديد وتشخيص المشكلة بصورة جيدة.. وذلك لأنَّ طرح العديد من المطالب في نفس الوقت سيُـفْـشِل الوصول إلى تحقيقها، وسيهزمها جميعاً، وسيفتح الباب واسعاً لأصحاب الأجندات الخاصة، ومن يرفعون شعارات الثورة، ولكنهم ينفذون أجندة العسكر، من شق صفوف المفاوضين باسم الثوار، ومن تمرير أجنداتهم الخاصة، وهزم أجندات الثورة.. لذا الحذرَ كل الحذر، والوعيَ كل الوعي، في التفاوض مع العسكر ومن يقف خلفهم من دول الإقليم..
وختاماً، نصر الله ثورة شعب السودان، وحقق تطلعات أهلها وأمانيهم في الحرية والسلام والعدالة.. ودمتم.


مواضيع ذات صلة

سيدات المريخ يتعاقد مع مدافعة من جنوب السودان

عزة برس

السودان يواجه المغرب وديا

عزة برس

وجدي صالح يدعو قوى الثورة للطوفان

عزة برس

تغيير كبير في تركيبة الوزارات بعد عودة منسوبي النظام البائد

عزة برس

تظاهرات للسودانيين أمام الكونغرس السبت المقبل

عزة برس

الشيوعي يدعو الحرية والتغيير للاصطفاف بـ«تحالف الأقوياء»

عزة برس

اترك تعليق