المقالات

الدين والسياسة تقاطعات وتجاذبات (3).. د.صديق حسن مساعد

تحدثنا في الحلقة الثانية عن التحولات التي لازمت نشاة الدولة الاسلامية وجانباً من الصراع السياسي في المسيحية لاسيما حقبة العصور الوسطي في اوربا والعنف المصاحب والملازم للدولة،وكذلك الدولة إلاسلامية .وهنا نتحدث عن العصور التي تلت عهد الخلافة الراشدة وهي الحقبة التي امتازت بالقهر والعنف السياسي إلا بعض الفترات ذات المسافات القصيرة في مسيرة الدولة الاسلامية ، وهذا التسامح علي سبيل المثال ظهر وتجلي في عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ورغم قصر عهده إلا إنه كان يشكل علامة فارقة بينه وبين كل حكام الدولة الاموية سواء الفرع السفياني أو أسرة معاوية والفرع المرواني وهم أسرة مروان بن الحكم التي ينحدر منها عمر بن عبدالعزيز ولعل السؤال الذي يدوي في اعماق تلك الاحداث هو ماسبب ذلك القهر والعنف المصاحب لمسيرة الدولة الاسلامية؟ ولعل السبب هو سيطرة ثقافة القهر علي عقل الدولة بل ترسيخ ذاك العنف في كل جنبات وحنايا المجتمع بما فيها الدين وليس العكس .
وكذلك يمكن ان نقول ان الاسلام كعقيدة حينما نشأ في جزيرة العرب وانداح منها شرقا وغربا وشمالا و جنوبا لم تجد الدعوة الاسلامية دعائم واسس دولة قائمة من ذي قبل دولة بحكم واقع ذاك الزمان في مكة او المدينة ذات اسس ونظم مثل ما كان جاريا في فارس ودولة الروم وحلفاء هذه الامبراطوريات التي كانت قائمة على تخوم بلاد العرب مثل مملكة الغساسنة والمناذره والغساسنة كانوا يدورون في فلك الرومان ،والمناذرة كانو يدورون في مجرة فارس فلذا حينما قامت اسس العقيدة في المدينة المنورة لم تجد اسس دولة وركائز حكم حتي تؤسس عليه دولة المدينة الوليدة في مهد الدين الجديد أو تقوم حتي علي انقاض نظام كان قائما يكون بمثابة إنموذج يسيرون علي هداه ويطوره عبر التجربة كما حدث بالنسبة للعقيدة المسيحية حينما كانت تحبو علي مدارج طفولتها الاولي فلقد نمت وترعرعت رغم المواجهات تحت ظلال الإمبراطورية الرومانية ذات الأسس والتقاليد الراسخة بل دخلت الإمبراطورية الرومانية وأباطرتها في مواجهة راعفة ضد الدين الجديد اي المسيحية.. التي جاءت علي حساب الوثنية ،ولكن بعد ان انتشرت المسيحية واصبحت ديانة الامبراطورية.. الرومانية هي المسيحية ولقد كانت هذه الإمبراطورية قائمة قبل ميلاد المسيح عكس ما حدث للدعوة الاسلامية التي حينما نشأت وجدت ثقافة وتقاليد و روح القبيلة وعصبيتها فاخذت منها العقيدة الجديدة واجتهدت فيما ما وراء ذلك شاقة طريقها عبر إجتهادات الخلفاء عبر تقليد ظل ملازم للفكر الاسلامي فظل طالب السلطة مقبولة احكامه من الجميع في اللحظة التي يجلس فيها علي سدة السلطة ،وهناك قاعدة فقهية انتجتها عبقرية فقهاء الدولة الاسلامية لمن غلب واستولي علي سلطة بإنقلاب أو ميراث أو تحت ظلال الرماح تقول القاعدة الفقهية ((من قويت شوكته وجبت طاعته))اي التسليم بماهو قائم وعدم شق عصا الطاعة علي السلطان الأمر الذي لم يترك للفقهاء وضعا مغايرا للتداول السلمي للسلطة رغم ان هناك اجتهادات قام بها بعض علماء المعتزلة لكن بكل اسف ضاع معظم هذا الاجتهاد ولم يصل منه إلينا إلا شذرات تنبئ بوضاءة تلك الافكار وكذلك هنالك مساهمات قدمها الما وردي في كتابة الاحكام السلطانية وابن قتيبة وغيره من الفقهاء مثل الأحكام الشرعية لابن تيمية لكن واقع الحال الذي عاشته الدولة الاسلامية بعد ان خرجت من إطار دولة المدينة الي فضاءات الشام والعراق ،اي دمشق و بغداد ،وتوسعت وأصبحت إمبراطورية وهذا التوسع الامبراطوري الشاسع فرض علي الحكام والخلفاء المسلمين السير في ذات الدرب اي درب السابقين وهو الحكم بالاسس والمعايير التي تحكم اية أمبراطورية في ذلك الزمان فكان الحكم الامبراطوري الذي فرض واقعا علي مسيرة الدولة فاضاع على المسلمين فكرة تطوير وتحديث انموذج دولة المدينة عبر تطوير فكرة مفهوم الشوري والذي اصبح الان ملتبسا وكان يمكن وعبر تعزيز المشاركة من قبل كل افراد الامة لكن تحول العقيدة إلي عقيدة كونية أدي إلي ما أدي اليه وسط جموع الإمبراطورية فاخذ الحاكم او الخليفة معطيات ذاك الزمان ولقد كان ما كان فلقد حلت الدولة الاسلامية وملأت فراغات الامبراطوريات التي حطمها المد الإسلامي والدين الجديد فقامت الإمبراطورية الإسلامية وفق اجتهاد فرضته عليهم ضرورة تلك المرحلة والانموذج الغالب الذي وجدوه قائما وعبر اجتهادهم حسب ما يرونه وهنا نذكر الحديث الذي دار بين النبي صلي الله عليه وسلم واحد أمراء جيشه والدين ما زال غضا ووحي السماء لم ينقطع بعد إذ قال النبي لأحد قادته ((اذا حاصرت اهل الحصن فارادوك أن تنزل لهم على حكم الله فأنزل لهم على حكمك وحكم اصحابك فانك لاتدري اتصيب حكم الله فيهم ام لا )) وهنا سؤال يطرح نفسه بالحاح ألا وهو : هل يوجد إنموذج او قالب او حتي نظرية لدولة إسلامية ؟ ومع وجود ملل وديانات اخري نقول نعم لايوجد ،فلا يمكن للدين برسالته العظيمة أن يتضاءل تحت ظل دولة او سلطان او يراهن علي مشروع دوله قهرية كما كان حال الدول الامبراطورية الكبري التي سادت ابان ظهور الاسلام ،فكانت الدولة قوة مجردة متجبرة والتاريخ وأحداثه يحكيان ذلك.. وعبر ماحدث من عراك وحروبات حول السلطة في كل الدول التي تعاقبت رغم ظهور شعارات مثل ((لا حكم الا لله)) فهذا الشعار التحييدي أي الشعار المفخخ يحيد الخصم السياسي ويكبح جماح كل تفكير وحوار جب حول علاقة الدين بالسياسة اي يدفع الناس الى الهرب إلي الامام فلا يمكن ان نؤسس لنقاش وحوار حول معاش الناس وضروريات حياتهم بشعار غير قابل للتفكيك او النقاش وأصحاب هذا الشعار الذي لا يؤسس لأي اسس فكرية ولايتعاطي مع التحولات الكبري التي تختلج علي مساحتنا السياسية وتمسك بتلابيب القادة باحثة ومترجية لحل.. يرضي الجميع وتؤسس لقانون يتساوي فيه الجميع دون أية إعتبارات دينية أو إثنية أو ملية أو ثقافية او جغرافية مثل ما طرأ من تطور و تحول في الفكر و التجربة الانسانية حينما انهارت الامبراطوريات وقامت الدول القومية مكان الامبراطوريات لكن بقوانين واساليب تختلف عن واقع الامبراطوري

وإلي الحلقة الرابعة بإذن الله….


مواضيع ذات صلة

بينما يمضي الوقت .. أمل أبوالقاسم تكتب: ضربات “حميدتي ” المتلاحقة من غرب دارفور

عزة برس

مولانا أحمد إبراهيم الطاهر : يكتب : أحمد هارون.. جزاء سنمار

عزة برس

تحبير .. د. خالد أحمد الحاج يكتب: أزمة تداول السلطة

عزة برس

تأملات .. جمال عنقرة يكتب: ال ١٣ .. كلهم في الهواء سواء .. أرموا قدام

عزة برس

بُعْدٌ و مسَافَة..مصطفى ابوالعزائم يكتب: ” حميدتي ” .. غياب في دائرة الضوء .. !

عزة برس

آبى أحمد ، غرًد وكأنك رجل مخابرات ..عمار العركى

عزة برس

اترك تعليق