المقالات

تأملات.. جمال عنقرة يكتب: الإقصاء سبب البلاء .. والحوار السوداني هو الحل

لم أكن من المتفائلين بأن تحقق قمة الايقاد الأخيرة إنجازا كبيرا في شأن الأزمة السودانية، رغم تفاؤل كثيرين، وتبشيرهم بتحقيق قمة جيبوتي وقفا دائما لإطلاق النار، لذلك لم تصدمن النتائج كما فعلت لكثيرين، بل تعززت قناعاتي بأن الحل لن يأتي من خارج السودان أبدا، بل لن يعطل مساعي السودانيين في الحل شئ سوي التدخلات الخارجية، ولعل بيان قوي الحرية والتغيير الذي صدر بشأن تلك القمة أصدق دليل علي ذلك، ولا أقول لم يعبر عن القمة، وإنما لم يعبر حتى عن قوي إعلان الحرية والتغيير التي صدر باسمها.
وكما لاحظ الناس كلهم أن البيان ركز علي مسألة ليست من صلب الموضوع، بل قد يباعد الإصرار عليها بين الوصول إلى حلول جذرية للأزمة، هذا فضلا عن أنها تم تجاوزها عند كثير من القوي السياسية السودانية، بما في ذلك كثيرين من أصحاب الوزن الثقيل في قحت، واعني الإصرار علي إقصاء المؤتمر الوطني والإسلاميين وحلفائهم، وهذه مسألة تجاوزتها كل القوي السياسية السودانية لأسباب موضوعية ومنطقية.
أولا مجموعة قحت تضم في تحالفها الإطاري مجموعة من الإسلاميين ومن حلفاء المؤتمر الوطني حتى آخر يوم في حكمه، مثل مجموعة الدكتور علي الحاج في المؤتمر الشعبي بقيادة الدكتور كمال عمر عضو برلمان الإنقاذ حتى سقوط حكمها، ومجموعة الحزب الإتحادي الديمقراطي الأصل بقيادة السيد الحسن الميرغني كبير مساعدي الرئيس البشير حتى سقوطه، ومعه السيد إبراهيم الميرغني وزير الدولة في حكومة الإنقاذ حتى آخر ثانية في عمرها، ومجموعة أنصار السنة المحمدية بقيادة الوزير الدائم في كل حكومات الإنقاذ الدكتور محمد ابو زيد.
ثم أنه لو كان مناسبا بداية عهد التغيير أن تطالب قوي إعلان الحرية والتغيير استبعاد المؤتمر الوطني والإسلاميين من العملية السياسية، لم يعد ذلك منطقيا ولا مقبولا اليوم بعد أن جرت مياه كثيرة تحت الجسر، فالمؤتمر الوطني احترم نفسه بعد الثورة، وجلس علي مقاعد المتفرجين، ولكنه خرج عندما صوبت قحت كل سهامها نحوه، واستهدفت قياداته، فخرج من سكونه، وتصدي لحملات الاستهداف المنظمة، فزاد الحكومة عجزا علي عجزها، ولما قامت الحرب، وتمددت، استنفر الإسلاميون قواعدهم للدفاع عن الوطن والمال والعرض والنفس، التي صارت جميعها هدفا للمعتدين من داخل السودان وخارجه، وبينما زاد هذا الموقف الإسلاميين احتراما وتقديرا لدي الجيش والشعب والحكومة، خصم موقف قحت الموالي والداعم للتمرد منهم كثيرا، فلم يعودوا في موقف يمكنهم من المطالبة باستبعاد الإسلاميين، ولو أنهم أصروا علي ذلك سوف يفقدون كثيرا، ويدفعون الثمن غاليا.
والأهم من هذا كله، فلقد ثبت أن كل علل ومصائب السودان كانت بسبب الإقصاء، فاقصاء الخليفة عبد الله التعايشي لأولاد البحر دفع كثيرين منهم للتعاون مع الانجليز واسقاط دولة المهدية، اول دولة وطنية قومية في السودان، واقصاء الشماليين للجنوبيين في تقرير المصير والسودنة، قادهم إلى تمرد أغسطس ١٩٥٥م، وخوف حزب الأمة من الاقصاء من قيادة الحكومة الثانية بعد الاستقال قاد رئيس الوزراء عبد الله بك خليل إلى تسليم، السلطة إلى قائد الجيش الفريق إبراهيم عبود، وطرد نواب الحزب الشيوعي المنتخبين في البرلمان الثاني قادهم إلى تدبير انقلاب مايو ١٩٦٩م، وإخراج الجبهة الإسلامية من حكومة الوحدة الوطنية عبر مذكرة الجيش في فبراير ١٩٨٩م قادهم إلى تدبير انقلاب الإنقاذ في يونيو ١٩٨٩م، ومحاولة فرض الاتفاق الإطاري بالقوة وعزل كل القوي السياسية عدا قحت المركزية هذا العام قاد إلى حرب أبريل المدمرة.
فلم يعد بعد ذلك مجال للاقصاء، ولم يعد حالنا يحتمل ذلك، ولم يعد أمام السودانيين خيار سوي أن يقبل بعضهم بعضا، ويدخلون في حوار سوداني سوداني شامل لا يستثني أحدا، لعبور جسور هذه المحنة التي لم يسبق لها مثيل، ولم تخطر علي قلب أحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *