المقالات

تأملات.. جمال عنقرة يكتب: الطريق الثالث .. خيار قديم متجدد

سألني أحد الأصدقاء عن سر حماستي لمشروع السيد مالك عقار رئيس الحركة الشعبية، نائب رئيس مجلس السيادة الإنتقالي لحل الأزمة السودانية، والذي أطلقت عليه اسم “الطريق الثالث” فأقول لصديقي الذي سألني، ولكل القراء ولأهل السودان جميعا، ولكل من يهتم بأمر بلدنا من الأشقاء والأصدقاء والجيران، أن دوافع وقوفي مع مشروع السيد عقار الطريق الثالث، كثيرة بعضها متعلق بالمشروع نفسه، وبعضها بصاحب المشروع، وبعض منهاتاريخي.
ولتكن البداية بالأسباب التاريخية، وهي مرتبطة بعنوان هذا المقال “قديم متجدد” فمحاولة جمع القوي الوطنية السودانية علي القواسم المشتركة قديمة جدا، ويعتبر الإمام المهدي عليه السلام رائد ذلك، ولهذا السبب عندما بدأ دعوته للثورة اوقف العمل بالمذاهب الفقهية والطرق الصوفية، وجمع الناس علي راتب واحد من الكتاب والسنة، ولما قال له أحد تلاميذه، الناس يسألون عن مذهبنا وعن طريقنا، فماذا نقول لهم، قال له، “قل لهم طريقنا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومذهبنا الكتاب والسنة، ما جاء من عند الله تعالى فعلي رؤسنا، وما جاء من عند الرسول صلي الله عليه وسلم علي اعناقنا، وما جاء من الصحابة رضي الله عنهم إن شئنا فعلنا به، وإن لم نشأ تركناه”
ثم جددت القوي السياسية الوطنية الرئيسة ذلك عقب الانقلاب الشيوعي اليساري في الخامس والعشرين من شهر مايو عام ١٩٦٩م، فتناست كل خلافاتها واختلافاتها، وشكلت الجبهة الوطنية السودانية التي ضمت أحزاب الأمة والإتحادي، وجبهة الميثاق الإسلامي، وقادت الجبهة الوطنية النضال ضد مايو، وكانت ذروة سنام ذلك الانتفاضة العسكرية الشعبية المسلحة فجر يوم الجمعة الثاني من شهر يوليو عام ١٩٧٦م، التي اختلطت فيها دماء الوطنيين السودانيين بعضهم ببعض لاسترداد الديمقراطية والحرية في البلاد، وايقظت الروح الوطنية لدي الرئيس الراحل المشير جعفر محمد نميري، فجاءت المصالحة الوطنية في عام ١٩٧٧م، لتشكل اهم منعطف في مسيرة الحركة الوطنية السودانية الحديثة.
ولما التقت الإرادة الوطنية السودانية الشعبية والعسكرية والسياسية والنقابية، واسقطت نظام مايو في السادس من أبريل عام ١٩٨٥م، قاد الراحل الشريف زين العابدين الهندي مبادرة إحياء وتجديد مشروع الجبهة الوطنية من خلال التواثق الذي ابرمه بين السيدين مولانا السيد محمد عثمان الميرغني رئيس الحزب الإتحادي الديمقراطي، والدكتور حسن عبد الله الترابي الأمين العام للجبهة الإسلامية القومية علي السعي لتشكيل حكومة قومية تجمعهما مع حزب الأمة والقوي السياسية الجنوبية، وتعاهدوا علي الا يدخل احد منهم منفردا في حكومة ائتلافية مع حزب الأمة دون الآخر، إلا أن تدخلا خارجيا أفسد الاتفاق الوطني العظيم، واستيغظت البلاد علي حكومة ائتلافية بين حزب الأمة والحرب الإتحادي الديمقراطي.
ولما احتد الخلاف، واشتد الصراع بين الإنقاذ في بداية عهدها، وبين المعارضين لها سياسيا وعسكريا، حذر الإمام الصادق المهدي من مآل خطير يمكن أن تنزلق إليه البلاد إذا ما بقي الحال علي ما كان عليه بين سلطة قاهرة ومعارضة عنيفة، ودعاهم جميعا إلى كلمة سواء.
ولما ازداد الاستقطاب حدة، واشتعل الصراع نارا، قاد الشريف زين العابدين الهندي مبادرة الحوار الشعبي الشامل، ورغم إفساد المبادرة بتواطؤ بعض قصيري النظر من الانقاذيين، مع بعض من ضعفت نفوسهم من منسوبي حزب الشريف، والمحسوبين عليه، إلا أنه يحسب للمبادرة أنها فتحت أكبر نافذة للتحول السلمي الديمقراطي، وتلا ذلك ثلاثة مشروعات عظيمة للتلاقي الوطني، قادها الزعماء الوطنيون العظام، فطرح السيد الصادق المهدي مشروع التراضي الوطني، وتقدم مولانا السيد محمد عثمان الميرغني بمبادرة الوفاق الوطني، وقدم الدكتور حسن الترابي مشروع المنظومة الخالفة.
والمشروع الذي يقوده السيد عقار اليوم، هو حصاد لكل ذلك وامتداد له، وهنا نأتي للعامل الثاني المتعلق بشخصية الرجل قائد المبادرة الملك عقار، صحيح اني اعرف الرجل منذ أكثر من أربعة عقود من الزمان، منذ أيام إتحاد شباب السودان في عهدي مايو، إلا أن تواصلي معه القريب جدا، لا سيما بعد قبوله تحمل مسؤولية التكليف نائبا لرئيس مجلس السيادة، في أحرج واحلك الظروف، مكنني من الوقوف علي جوانب مهمة في شخصية الرجل، تجعله الأنسب لأن يكون رمز وقائد مشروع العبور بلا مقارب، فالرجل له رؤي ومواقف واضحة وثابتة، لا تهتز ولا يتزحزح منها، ويمتاز ملك عقار بدرجة عالية من التنظيم والانضباط، فلو جلس إليه طفل عمره عشر سنوات، يستمع إليه، ولا يقاطعه، ويكتب كل ما يقول، ويرد علي كل صغيرة وكبيرة بإحترام، وهو رجل غاية في الزهد والتواضع، وعلمت من مصدر موثوق أنه عندما وصل بورتسودان رفض أن يقيم في منزل إيجاره الشهري عشرون ألف دولار، واختار أن يسكن في جزء من ميس ضباط القوات المسلّحة، ورفض أن يقيم في فندق حتى تكتمل الصيانة، وتعايش مع الانقاض، ومنطقه في ذلك أنها أفضل عشرات المرات من مساكنه في الغابة قبل السلام، ولقد شاركته الطعام أكثر من مرة في بورتسودان، ومائدته واحدة يشاركه فيها كل طاقم مكتبه،الإدارة والسكرتارية، والحرس، والذين يقومون بالخدمات، وهي من طعام غالب قوت أهل السودان، لا تمتاز بشئ سوي بركة كثرة الأيدي، مثلها مثل موائد الشهيد الإمام الهادي المهدي، والدكتور حسن الترابي، والأستاذ سيد أحمد الحسين، ومولانا أحمد محمد هارون.
أما البعد الثالث المتعلق بمشروع السيد عقار، وهو يحتاج إلى تفصيل وحوار أكثر واعمق، ولكن اهم ملامحه، أن يكون خيار وقف الحرب هو أول خيار، وأن هذه المعركة هي معركة كل الوطن وليست معركة الجيش وحده، ولذلك يجب علي كل الوطنيين الوقوف صفا واحدا خلف القوات المسلّحة وهي تخوض حرب الكرامة، وأن هذه الحرب لن تنتهي إلا علي طاولة مفاوضات، وأن هذه الحرب هي شأن سوداني بحت، تهم أهل السودان وحدهم، مع التقدير لجهود كل الأشقاء والأصدقاء، ويحذر السيد عقار من المبادرات الخارجية، وكان قد وصفها بأنها مفخخة، وركز علي أن الحوار السوداني السوداني لا بد أن يكون شاملا، ولا يستثني أحدا أبدا.
وتلك هي اهم الملامح العامة للمبادرة الشاملة التي يقودها الزعيم ملك عقار، ونقف معه فيها، وندعو الناس جميعا لدعمها ومساندتها لنعبر معا إلى بر الأمان، وننقذ أنفسنا وشعبنا وبلدنا، من هوة سحيقة صرنا قاب قوسين أو أدني من السقوط فيها، والحافظ الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *