المقالات

استراتيجيات..د.عصام بطران يكتب: ورثة الدفتردار!!

– لعل روح التشفي والانتقام في الممارسة السياسية في السودان ورثة شرعية من مالات “الدفتردار” صاحب اكبر حملة للانتقام للذات وكبرياء النفس اقتصاصا لمقتل صهره اسماعيل باشا شقيق زوجته “ناظلي” ثاني “بطان” الحاكم محمد علي باشا .. الدفتردار سار الى شندي للثأر والتنكيل بمن اشتركوا في حرق صهره الباشا وخرب شندي ونكل باهلها مما جعله مضربا للامثال في التشفي والانتقام ..
– مع اختلاف الوقائع والشخوص والتاريخ ظلت سمة التشفي والانتقام السياسي احدى السمات البارزة في مخيلة الذاكرة السياسية في البلاد حقبة تلو اخرى .. جاء المهدي الامام باولاد البحر .. ثم خلفه التعايشي باولاد الغرب احلالا وابدالا .. ثم خلفه الانجليز بتقريبهم واستنصارهم بقيادات الادارة الاهلية .. ثم جاءت حقبة الاستقلال والسودنة والصراع بين الافندية المستغربين والافندية المستشرقين .. فالديمقراطية الاولى وصراع اليسار مع المحافظين من الطائفية السياسية .. ثم الجيش والجنرلات العظام .. ثم ثورة اكتوبر واختطاف اليسار عبر واجهاته النقابية للثورة الشعبية .. ثم مايو ١٩٦٩ بمراحلها الثلاث “اليسار – قوى الشعب العاملة – الاسلاميين” .. ثم الديمقراطية الثالثة وبروز صراع اليسار مع الاسلاميين .. ثم “ثلاثينية” الانقاذ وتطور ادوات الصراع السياسي الى صراع مسلح .. ثم الحقبة التي تدور احداثها الان باطروحات قوى اعلان الحرية والتغيير وعودة صراع اليسار مع الاسلاميين ولكن باستبدال المقاعد .. كل تلك الحقب لم تخلو من روح التشفي والانتقام السياسي فكل حقبة سياسية تتولى مقاليد الحكم اولى اهتماماتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية هي اقصاء ومسح اثار الحقبة السابقة والعمل على ازالتها من الوجود .. وكل ذلك يعلوه روح التشفي والانتقام السياسي !..
– “التطهير واجب وطني” ، “كنس اثار مايو وسدنتها” ، “الفصل للصالح العام” .. “تفكيك وازالة التمكين ومطاردة الفلول” .. كلها مصطلحات وادوات تم استخدامها لايجاد المبررات والسند القانوني للتشفي والانتقام السياسي .. لم تخلو حقبة سياسية في البلاد من مرارات استفراد تيار واحد بمفاصل الدولة وامعانه في اقصاء الاخر حتى اصبحت الدائرة الجهنمية تنتاش الكفاءات واضحت ظاهرة نزيف العقول والخبرات هي السائدة بفعل التشفي والانتقام السياسي وفي ذلك نماذج كثيرة ولكنها لم تكن دروسا مستفادة للحكومات المتعاقبة ففي اعقاب اكتوبر ١٩٦٤ نصبت مجازر اليسار لتصفية الخدمة المدنية من خيرة ابناءها تحت ستار شعار: “التطهير واجب وطني” فانفتح باب الاتهامات الجزاف ودارت معركة رحاها الموظفون شيعا وطوائف تنال كل فئة من الاخرى فتعرض عدد كبير من الموظفين لكثير من التشهير والطعن في نزاهتهم دون اسانيد غير الوشاية والكيد التي سادت دواوين الحكومة حتى وصفت حملة التطهير ب”محاكم التفتيش” في القرون الوسطى التي اخذت الناس بالشبهات والاهواء السياسية وازكم الانوف مناخ غير طبيعي في دواوين الدولة ضعفت فيه هيبة التراتيبية الوظيفية وصار الحكام صغار الموظفين والعمال بينما انزوى كبار الموظفين خوفا من عصا التلفيق والكيد والتشفي والانتقام ..
– تكرر السيناريو بنفس المشاهد في حقبة مايو ١٩٦٩ ولكن على ثلاثة مراحل الاولى مايو الحمراء فتم اقصاء اليسار للمحافظين من ارباب الطائفية وطالتهم حملات التطهير من الخدمة المدنية والعسكرية فطالت القوائم بفصل القيادات التي لا تدين له بالولاء او يشتبه ولائها للرجعية الطائفية كما كان يحلو لليسار تسميتهم .. كما اتبعتها حملة ارتدادية في مرحلة مايو الثانية “الاتحاد الاشتراكي السوداني” وذلك بتطير مؤسسات الدولة من تمدد اليسار بعد المواجهة الانقلابية بقيادة الشيوعي هاشم العطا في ١٩٧١ وطالت القوائم اعداد ضخمة من العاملين بالخدمة المدنية والقوات المسلحة والشرطة الذين ادخلهم الحزب الشيوعي في الخدمة عن طريق الاحلال والابدال بعد مايو ١٩٦٩ .. ثم في مرحلة مايو الثالثة بعد تطبيق قوانين الشريعة الاسلامية ايضا نالت الخدمة المدنية نصيب وافر من الفصل والتشريد تحت مسمى مكافحة الفساد حتى وصف السياسي الراحل منصور خالد في كتابه “النخبة السودانية وادمان الفشل” “التطهير” بأنه ظلم كبير وان شعار “التطهير واجب وطني” افرغ من محتواه ..
– جاءت الديمقراطية الثالثة وعلا الهياج الثوري عقب انتفاضة ابريل ١٩٨٥ مطالبا بحملة جديدة لهدم جدار الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة العسكرية التي وصف الساسة اربابها بالمايويين “سدنة مايو” وحينها فقد السودان اجهزة قومية قوية عن طريق التطبيق الخاطئ الملئ بالهتافية والشعارات من قبيل “كنس آثار مايو” الذي اطلقه الامام الصادق المهدي وابدى ندمه عليه فيما بعد لان كنس اثار مايو شعار براق طال حتى قطع “الماسورة” رقم ٢٥ في الجدار الحديدي امام الجمعية التاسيسة انذاك .. وقال الامام الصادق ان هذا الشعار قد افقد الديمقراطية الثالثة الكثير من الكوادر الوطنية والتي ان كانت موجودة وقتها لما انهار الحكم المدني في تجربته الثالثة ..
– بمثل ما ندم الامام الصادق المهدي على شعار كنس اثار مايو الذي ذهب بفطاحلة الخدمة المدنية الى سوق الخليج واوربا ندمت ايضا حكومة الانقاذ على فتح باب اخر من ابواب التشفي والانتقام السياسي بحملة واسعة للاحالة من الخدمة للصالح العام وفائض العمالة والغاء الوظيفة واعادة الهيكلة والفصل التعسفي والتقاعد المبكر .. وحسب التقارير ان الحملة طالت ٨٠ الف موظف الا ان الانقاذ اجرت العديد من المراجعات لقراراتها فاعادت عدد كبير منهم للخدمة وصرفت تعويضات مالية لغير الراغبين للعودة ولكن ظل الجرح غائر لعدد من الاسر الذين فقدوا مصدر دخل عائلهم وانطوى على ذلك تمدد الاسرة داخل صفوف المعارضة الشرسة ضد الحكومة ليس لسبب غير الظلم الذي طال عائلهم نتيجة الفصل من الخدمة ..
– وكأن التاريخ يعيد نفسه عقب التغيير في ديسمبر ٢٠١٩ والدرس غير المستفاد يطل براسه وبنفس الملامح والشبه وبصورة اشد ضراوة من سابقاتها عبر شعار ثوري يدعو الى تفكيك وازالة تمكين نظام الثلاثين من يونيو ١٩٨٩م .. ويا سبحان الله نفس عمليات الاحلال والابدال تتم في وضح النهار وهكذا تدور رحى استنزاف العقول البشرية المدربة عالية الخبرة والكفاءة والقدرات الذين صرفت عليهم الدولة من مواردها في تاهيلهم وتدريبهم ليس لشئ غير التشفي والانتقام السياسي .. نفس الكاس يشرب منها الجميع بالتناوب ولعبة الكراسي لاتزال مستمرة ..
– ورثة الدفتردار الانتقامية لاتزال تسيطر على عقلية السياسي السوداني فالانتقام والتشفي هما عكس التسامح والتعاطف والمشاركة الفعالة لاجل الوطن .. فاصبحت الظاهرة تمثل اضطراب خلقي سيكولوجي خطير يهدد الامن والسلم الاجتماعي .. وقد قال في ذلك  الأبشيهي: (قيل: من انتقم فقد شفى غيظه واخذ حقه فلم يجب شكره ولم يحمد في العالمين ذكره) .. وقال حكماء الهند: (لا ظفر مع بغي .. ولا سؤدد مع انتقام) .. وقال ابن القيم: (فما انتقم احد لنفسه قط الا اعقبه ذلك ندامة) .. والفرق بين الانتقام والعقاب ان الانتقام سلب النعمة بالعذاب والعقاب جزاء على الجرم بالعذاب لان العقاب نقيض الثواب والانتقام نقيض الانعام .. فهل يعي الساسة الدروس والعبر ؟؟ .. وهل ستستمر اشواط المباراة بالزمن الاضافي ام سيطلق الحكم صافرة انتهاء المباراة بهزيمة الانسان السوداني المغلوب على امره من فعل الكيد والتشفي والانتقام السياسي ..


مواضيع ذات صلة

كتب ياسر عرمان : 21 أكتوبر يومٌ للديسمبريين ٠٠يا جيش السودان وشعوبه المضطهدة اتحدوا الشوارع ستقطعُ قولَ كلّ خطيب

azza press

المشهدالسياسىى الراهن وتراجيديا الصراع بقلم : عمارالعركي

azza press

استراتيجيات.. د. عصام بطران يكتب : أبوهريرة .. “طفل في جلباب رجل” !! .

azza press

ضياء الدين سليمان يكتب.. (معتقلو التمكين… حقائق غائبة)

azza press

الشريف زين العابدين.. الذكرى “15” للقائد المتبصرفي الوطن المتازم

azza press

علي كل.. محمد عبدالقادر يكتب : تلفزيون ( القحتان) .. أين الراي الآخر؟

azza press