المقالات

المفتش العام الأسبق للجيش السوداني يكتب : قوات الدعم السريع ما بين الدمج والاستقلالية!!

بسم الله الرحمن الرحيم

قوات الدعم السريع قوات شبه نظامية أنشئت بقانون خاص أجازه المجلس الوطني وصدق عليه رئيس الجمهورية. تشبه نشأة هذه القوات تجربة نشأة قوات الدفاع الشعبي التي أنشئت هي الأخرى بقانون خاص . وكلا القوتين حملتا السلاح للدفاع عن مناطقهم من هجمات الخوارج وكانت هذه القوات داعمة ومساندة للقوات المسلحة . قوات الدفاع الشعبي كانت تعمل تحت إمرة القوات المسلحة مباشرة . قوات الدعم السريع عندما أنشئت في عام 2013م كانت تتبع لجهاز الأمن وبعد عام 2017م أصبحت تتبع للقوات المسلحة وتعمل بإمرة القائد الأعلى . تجربة القوتين صاحبتها إرهاصات وأقاويل كثيرة بإعتبار أنها قوات تابعة للنظام السابق وأنها بديلة وموازية للجيش وكل ذلك ليس صحيحاً حيث أثبتت التجربة العملية أن هذه القوات تعمل في تنسيق وتعاون وانسجام تام مع القوات المسلحة . أذكر في هذا المجال عندما كنت عضواً في اللجنة العليا للأمن التي يرأسها مستشار رئيس الجمهورية للأمن تمت دعوتي للمشاركة في ندوة بجهاز الأمن لمناقشة تجربة قوات الدفاع الشعبي وقوات الشرطة الشعبية والدبلوماسية الشعبية. عندما أعطيت لي الفرصة للحديث أوضحت تجربتي العملية بجنوب كردفان مع قوات الدفاع الشعبي واوضحت للحضور بأن هذه القوات كانت تعمل تحت قيادتي المباشرة وهي ليست موازية أو بديلة للجيش . أشرت كذلك بأن تجربة قوات الدفاع الشعبي والشرطة الشعبية والدبلوماسية الشعبية فلسفة انتهجتها الإنقاذ لتكمل بها النقص الموجود في المؤسسات الرسمية للدولة وأن هذه التجربة قد حققت نجاحاً باهراً في المجال الأمني والعسكري والسياسي . اشادت المنصة بحديثي وأعتبرته رداً منطقياً على الذين انتقدوا هذه التجربة . تجربة قوات الدعم السريع تعرضت لنفس النقد الذي وجه لتجربة قوات الدفاع الشعبي بإعتبار أنها قوات موازية للجيش وبديلة عنه . التجربة العملية لقوات الدعم السريع منذ إنشائها في عام 2013م برهنت غير ذلك حيث ظلت هذه القوات تعمل في تنسيق وتعاون وانسجام تام مع القوات المسلحة كقوة داعمة ومساندة لها حسب ما نص عليه قانونها . الاستقلاية التي تتمتع بها قوات الدعم السريع كفلها لها قانونها لعام 2017م حيث تنص المادة(6) على تبعيتها للقوات المسلحة وتعمل تحت (إمرة القائد الأعلى) . الأزمة الحالية تسبب فيها ياسر عرمان عراب الاتفاق الإطاري الذي نادى بالدمج وهو يعلم بأن قانون قوات الدعم السريع يعطيها حق الاستقلالية وهذا مؤشر قوي على سوء النية المبيتة لإحداث فتنة بين الجيش والدعم السريع . أما المادة (6) من قانون قوات الدعم السريع التي تم إلغائها فإنها لم تنص صراحة على الدمج حيث نصت على أنه (يجوز) للقائد الأعلى دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة . في هذا المجال أذكر أيضاً أن الإعلامي اللامع الطاهر حسن التوم قد أجرى لقاءاً خاصاً مع حميدتي وسأله عن علاقة قوات الدعم السريع بالقوات المسلحة فرد عليه بأن قواته تتبع للجيش وتدعمه وتسانده ولكنها تتلقى تعليماتها من القائد الأعلى وليس من هيئة الأركان . فزاعة تعدد الجيوش فرية وخدعة جاءت بها قحت برعاية فولكر. تعدد الجيوش يعتبر مصدر قوة وليس مصدر ضعف . هنالك دول كثيرة يوجد فيها أكثر من جيش واحد حيث يوجد بمصر الجيش الميداني الثالث الذي عبر قناة السويس في حرب أكتوبر 1973م وفي العراق يوجد الجيش الشعبي الذي دخل الكويت وفي إيران يوجد الحرس الثوري وفي دول الخليج يوجد الحرس الوطني والحرس الأميري . الجيش تنظيم عسكري قبل أن يكون اسماً كالقوات المسلحة التي تعتبر اسماً للجيش . يتكون الجيش الميداني من ثلاثة فرق عسكرية وحسب تكوين الجيش الميداني فإن قوة الجيش الحالية يمكن أن تشكل أكثر من جيش ميداني واحد. التنظيمات العسكرية تصنف بدرجة سري للغاية . الجيوش الميدانية تنظيمات عسكرية ولا يعني تعددها وجود أكثر من جيش واحد في البلاد لأنها جميعاً مهما كان عددها تعمل تحت قيادة وسيطرة موحدة . الجيوش الميدانية هي التنظيم العسكري المناسب للجيش السوداني . أذكر في مؤتمر القادة لعام 2000م أن القائد العام قد أصدر توجيهات بوضع خطة ربع قرنية لبناء وتطوير القوات المسلحة . بصفتي كنائب لرئيس هيئة الأركان إدارة قمت بوضع تلك الخطة وقسمتها لخمسة مراحل كل مرحلة تتكون من خمس سنوات وفي نهاية المرحلة الأخيرة إقترحت تشكيل خمسة جيوش ميدانية بحيث يكون هنالك جيش ميداني في كل الاتجاهات الاستراتيجية الأربعة وجيش ميداني لمنطقة البحر الأحمر لأهميتها الاستراتيجية ومنطقة عسكرية مركزية مقرها وسط السودان في منطقة الأبيض حيث تسهل منها الحركة لكل الاتجاهات الاستراتيجية . سلمت للقائد العام في يناير 2001م نسخة من تلك الخطة ونسخاً أخرى لوزير الدفاع ووزير الدولة للدفاع ورئيس هيئة الأركان. أشاد القائد العام بتلك الخطة ووصفها بأنها تصلح أن تكون مرشداً لوضع الخطة الاستراتيجية الربع قرنية للدولة . في مارس 2001م تمت إحالتي للتقاعد ولم ترى تلك الخطة النور حتى يومنا هذا. قوات الدعم السريع تم إنشائها تحت ظل حكومة مدنية منتخبة ورئيس جمهورية منتخب بقانون خاص وليس بقانون القوات المسلحة وفي ظروف إستثنائية خاصة . هذه القوات عشائرية التكوين ولهذا تم إنشائها بقانون خاص للنظر في المستقبل بعد تقييم التجربة في كيفية ضمها للجيش أو تسريحها كما حدث لقوات الدفاع الشعبي . قوات الدعم السريع لعبت أدوارا كبيرة ومقدرة في حفظ الأمن والاستقرار بالبلاد كما شاركت في عمليات خارجية بكفاءة عالية . الإلتباس الحاصل الذي أربك المشهد السياسي يعود لعدة أسباب أهمها أن منصب القائد العام هو وظيفة عسكرية فنية مهنية وليس منصب سياسي كما هو الحال في منصب القائد الأعلى . منصب القائد العام موجود في التنظيم العسكري للقوات المسلحة بينما لا يوجد منصب القائد الأعلى في تنظيم القوات المسلحة لأنه منصب شرفي ربما يتولاه رجل مدني منتخب . القائد الأعلى السابق هو رجل عسكري منتخب يتولى منصب رئيس الجمهورية بصفته الانتخابية كما يتولى أيضاً منصب القائد العام بصفته أقدم ضابط في الجيش . النظام السابق كان رئاسياً تتبع له القوات المسلحة والأجهزة الأمنية بينما النظام الحالي برلمانياً بالرغم من أنه لم تتم فيه أي انتخابات حتى هذه اللحظة ومع ذلك تسعى قحت لأن يكون الجيش تابعاً لرأس الدولة وهو رجل مدني غير منتخب وأن تتبع الأجهزة الأمنية لرئيس الوزراء وهو غير منتخب أيضاً وهذا لا يجوز قانوناً . القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لا تأتمر إلا بسلطة مدنية منتخبة . الدور الذي لعبته قوات الدعم السريع في نجاح ثورة الشباب أعطاها ابعاداً سياسية وعندما أصبح ياسر عرمان يلعب بخبث دور المستشار السياسي لحميدتي سعى لاستغلال هذا الدور السياسي لقوات الدعم السريع وتوظيفه لصالح قحت مما تسبب في الأزمة السياسية الحالية . استقلالية قوات الدعم السريع فجرها الاتفاق الإطاري الذي أربك العملية السياسية . ظلت هذه القوات منضبطة منذ إنشائها وتعمل في تنسيق وتعاون تام مع القوات المسلحة وكل الأجهزة الأمنية ولم تبدر منها أي بادرة تهدد الأمن والاستقرار بالبلاد وليس من الحكمة اتخاذ قرار بشأنها خلال هذا الجو السياسي المشحون بالتوترات والنزاعات السياسية وحرب التصريحات ومن الأفضل ترك أمرها للحكومة المدنية الجديدة المنتخبة والبرلمان المنتخب. خلاصة القول: الاتفاق الإطاري ولد ميتاً لأنه جاء يحمل بذور فنائه في جوفه . الإصلاح العسكري والأمني الذي جاء به الاتفاق الإطاري القصد منه تفكيك الجيش صمام أمان السودان والأجهزة الأمنية . كل دول العالم تمتلك عناصر القوة والعنف القانوني ضد خصومها السياسيين والاتفاق الإطاري جاء لحرمان الدولة من عناصر القوة هذه وتحويلها لصالح قحت لتمكينها من السلطة . الدولة التي تفرط في عناصر قوتها ليست جديرة بالاحترام لأنها سوف تصبح غير قادرة على حماية سلطتها. ختاماً: أسال الله أن يحفظ بلادنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن. وبالله التوفيق.
فريق أول ركن حسن يحيى محمد أحمد

مواضيع ذات صلة

بينما يمضي الوقت.. عام على حرب السودان.. فزلكة.. أمل أبوالقاسم

عزة برس

فريال الطيب تكتب : معركة الحق ستنتصر

عزة برس

بالواضح.. فتح الرحمن النحاس يكتب: نعم يابرهان..القول ماقلت.. ميلاد مختلف للوطن الكبير..!!

عزة برس

دكتورة ميادة سوار الذهب تكتب: لاءات البرهان.. تأسيس أم تكريس ؟

عزة برس

همس الحروف.. سحابة حزن سوداء ظللت سماء دنقلا لغرق الأخوين أواب و خالد في أول أيام العيد.. الباقر عبد القيوم علي

عزة برس

استراتيجيات.. د. عصام بطران يكتب: البرهان في ولاية الخرطوم: (دلالات التوقيت) …!!

عزة برس

اترك تعليق