المقالات

عبدالمعين في الكوخ المحترق .. بقلم إبراهيم أحمد الحسن

في الاجازة الصيفية للمدارس يلتقى عبدالمعين مع اصدقائه وزملائه في ديوان بيته يلعبون الورق ، وهو موسم ما بعد الامتحانات مباشرة يجدون انفسهم بلا مدارس وفي حلقات من الفراغ يبددونه باللعب . لعب الكُرة ولعب الورق ، فحأة تدوى صافرات عربة الاطفاء تصم الآذان وتشق السكون ، تعدو سيارات الاطفاء مسرعة نحو الحي المجاور ، بحركة غير ارادية يرمي عبدالمعين واصدقائه الورق علي الطاولة ويهرعون جرياً الي الشارع ، في الخارج يجدون الشارع كله يجري ، يسابق عربة الاطفاء لموقع الحريق . بضع اكواخ بنيت من القش في طرف المدينة اشتعلت فيها النيران . يقتحم الشباب عبد المعين ورهطه الاكواخ المحترقة ،ويبدأون في اجلاء الناس والممتلكات في اعمال بطولية رائعة ،كثير من تلكم الاعمال كان يسير بذكرها الركبان في المدينة، لكن منظر عبدالمعين وهو يتسلق أحد الاكواخ المحترقة ليمسك بحمائم استقرت أعلى الكوخ وقد احترقت اجنحتها واصبحت كشعلة اولمبية يتأرجح لهبها مع الرياح . يمسك عبدالمعين بحمامتين واحدة بيسراه والاخرى باليمين ثم يقفز من اعلى الكوخ الذي بدأ ينهار سقفه ، لم يبال عبدالمعين بالسنة النيران التي بدأت تحيط به ولم يكن يأبه لصيحات الناس حول مكان الحريق ان يحترس !! بل كان هدف عبدالمعين محدداً وواضحاً هو منع الحمام من ان يكون ناقل جيد للحرائق يطير من كوخ محترق الي آخر بعيد لم تصله النيران فتمتد السنتها فيتسع نطاقها ، فامسك عبدالمعين بالحمامتين وهبط بهما بسلام الي الارض من اعلى الكوخ ، تم اخماد النار المشتعلة في اجنحة الحمامتين وادخالهما الي قفص صغير تم اجلائه من المنزل المجاور . لم يكن هناك من الحاضرين من اتى ليتفرج !! كلهم اتوا للمشاركة في اعمال الانقاذ ومن لم يجد شئ يفعله يقوم مع آخرين برفع خرطوم مياه عربات الاطفاء لمساعدة عملية اندفاع المياه الي مقدمة الخرطوم الذي يمسك به رجل اطفاء همام يندفع به في حماس نحو مصدر النيران .
كانت النيران تندلع بصورة راتبة في يوليو من كل عام ،كانت تستهدف مباني مشيدة من القش ، تأتي عليها بيتاً خلف بيت وكوخاً وراء كوخ ، صحيح ان المنازل كان يتم اعادة تشييدها في ذات اليوم ان لم يك في ذات لحظة اخماد الحريق بواسطة ابناء الحى والاحياء المجاورة وصحيح ان اسباب كثيرة جعلت الخسائر دائماً في حدها الادنى لكن السبب الاهم في هذا وذاك كان يكمن في موسم العطلة السنوية للمدارس اذ كان كل الطلاب والتلاميذ من الحى والاحياء المجاورة يشاركون في عمليات اخماد النيران وكانوا يستخدمون في ذلك الرمال الوفيرة في المنطقة والمياه الشحيحة والتى في كثير من الاحيان تفلح في عملية اطفاء الحرائق قبل وصول سيارات الاطفاء الي موقع الحريق في الحي الطرفي البعيد . وكانوا يساهمن في اعادة بناء ما اتت عليه النيران في التو واللحظة .
لم تكن مصادفة أن عبد المعين قد فرغ للتو من قرأة كتاب لغز ( الكوخ المحترق ) ، كان عبدالمعين يتحرق شوقاً الي العودة الي مكتبته المنزلية الصغيرة في بداية العطلة الصيفية ، اذا اول ما فعله هو قراءة سلسلة الالغاز التي فاتته إبان فترة الامتحانات وما قبلها ، كان عبدالمعين يعشق قراءة سلسلة ( المغامرون الخمسة ) وهي سلسلة قام بتأليفها الكاتب المصري ( محمود سالم ) في سلسلة كتبت في سبعينات القرن الماضى ولاقت رواجاً منقطع النظير وهام بها الشباب اليافع آنذاك وخاصةً في السودان و( المغامرون الخمسة ) هم “تختخ” و”لوزة” و”عاطف” و”نوسة” و”محب”، اضافة الي الكلب الذكي “زنجر”، ويشارك في بطولة هذه السلسلة المفتش (سامي ) والشاويش “علي” الشهير ب “فرقع”. كانت أحداث قصة كتاب لغز “الكوخ المحترق”التي قرأها عبدالمعين تدور حول حريق نشب في كوخ داخل حديقة احدى المنازل ، وكان هذا المنزل يقع جوار منزل المغامرين الخمسة، ولم يكن صاحب المنزل الذي اندلع فيه الحريق موجوداً أثناء الحريق. وفور عودة صاحب المنزل يصاب بصدمة حين يشاهد كوخه وقد احترق تماماً ، ليتضح انه كان يضع في هذا الكوخ مخطوطات وكتباً نادرة لها قبم مادية عالية ؛ ثم تبدأ رحلة المغامرون الخمسة لاماطة لثام حريق الكوخ ويبحثون عن من الذي حرق الكوخ ويفلحون في معرفة هل تم حرق ما كان بداخل الكوخ ام تمت سرقة محتوياته قبل اندلاع الحريق ؟
مائة واربعون الف هكتار في اسبانيا وحدها اتت النيران علي ما فيها من زرع وضرع ، قضت النيران علي الاخضر واليابس فيها، جهود كبيرة بُذلت لاخماد حرائق الغابات في اوروبا افلح بعضها في القضاء علي النيران ولم تزل تعمل فرق اخرى وجهود في محاصرة النيران وعزلها . عشرات الالاف من رجال الاطفاء يكافحون النيران ، آليات ضخمة تسير ، تجري وتطير ، سيارات اطفاء وطائرات اطفاء وروبوتات اطفاء ، غازات اطفاء ومياه وبدُرة اطفاء ، ملابس واقية من الحريق خوذات وقفازات ولوجستيات ضخمة توظف لاخماد النيران يفلح بعضها ويبؤ الآخر بالفشل الذريع .
وهناك ( عبدالمعين ) يتسلق الكوخ مكشوف الرأي عاري الصدر ، دون ملابس واقية دون طائرة اطفاء ولا سلم حريق ، يصبح وحده رجل اطفاء ، طائرة وسلم ، يلتقط الحمائم المشتعلة وينزل بهما قفزاً الي الارض ، يمنع كارثة امتداد الحرائق الي منازل اخرى ، لم يتوج احدا عبدالمعين بطلاً علي فعله ذاك. فقد عُد دائما ما قام به ويقوم فعلاً معتاداً للشهامة والنخوة في مدينته، بل يعتبر من خوارم المروءة ان امتنع عن فعله وجاء متفرجاً . ولو لم يأت به عبدالمعين لبادر به غيره من شباب الحي .

مواضيع ذات صلة

على كل.. محمد عبدالقادر يكتب: المركز الاقليمي للثروة الحيوانية .. انتصار في زمن الهزائم

عزة برس

تحبير.. د. خالد أحمد الحاج يكتب: حاجات تحير فعلاً

عزة برس

على كل.. محمد عبدالقادر يكتب: ايلا ….( أحلى الأهداف حتى الآن)!!

عزة برس

بُعْدٌ و مسَافَة مصطفى ابوالعزائم يكتب: ” إيلا ” وعودة التيار إلى الشرق..؟

عزة برس

بالواضح.. فتح الرحمن النحاس يكتب : لماذا الخوف ياعثمان ميرغني..؟!! الإسلاميون هنا لم يذهبوا..!!

عزة برس

بالواضح.. فتح الرحمن النحاس يكتب: مدخل لمرافعة إبراهيم محمود..درس رفيع في بريد قحت..!!

عزة برس

اترك تعليق