المقالات

د.الصادق الهادي المهدي يكتب : هل من تشابه بين التجربة اللبنانية والسودانية

مقال الرأي قد يلتحف الدعاية السوداء والتخوين والتخويف مثلما قد يستخدم المصطلحات المخاتلة لبلوغ مقاصده. ومن المصطلحات التي شاع أستخدامها على عواهنها مصطلح الطائفية.
تعرف موسوعة ويكيبيديا العربية (الطائفة) بأنها مفهوم مشتق من (طاف، يطوف، طواف، فهو طائف). فالمفهوم من حيث البناء اللفظي يحمل معنى تحرك الجزء من الكل دون أن ينفصل عنه بل يتحرك في إطاره وربما لصالحه. والطائفية السياسية بهذا ، تعني الانتماء لطائفة معينة دينية أو اجتماعية. ولكن بالضرورة ليست عرقية (فمن الممكن ان يجتمع عدد من القوميات في طائفة واحدة)

لكن هذا المفهوم يتم تحريفه وأصبح ليس ثابتًا بل متغير وفق السياق السياسي وأحيانًا حسب مزاج من يستخدمه. وفي الخطاب المتداول في الكتابات السودانية ، يستخدم من كثيرين بمعنى التعصب لطائفة (مغلقة) او في احسن الاحوال طائفة تسجن تفكيرها في إطار زمني خارج العصر مما يمنع أفرادها من التطور (والتقدم). ودائما يتم تحوير المصطلح ليواكب المزاج وليعنى باستمرار التخلف والرجعية. وظل البعض يصم جماعات بعينها بذلك الوصف القمئ. ومن كثرة (لواكة )لبانته صار المصطلح تلقائيا يحيلنا الى مكونات سياسية واجتماعية معينة. ولكن متى أحسنا النظر وجدنا استخدام لفظ طائفيه يوزعه أصحابه هكذا مجانًا دون ان يوضحوا اي قرائن موضوعيه او اي مقارنات يمكن قبولها. وخاصة فيما يتعلق بتعابير مرادفة أخرى رغم أنها فقدت معناها وسحبت من التداول العام. مثل (الرجعية) ومقابلها التقدمية والتقليدية مقابل الحداثة.
لذلك السؤال الذي يطرح نفسه امام مستخدمي هذه المصطلحات جهلًا او مع سبق الإصرار والترصد، هل من مقاربة موضوعية تحترم عقل القارئ ومعارفه.
عند استلاف المصطلح من النظام الطائفي اللبناني فيجب ادراك ان نقله (بدبانته)يجعله كاريكاتوريا ومضحكا ولا ينطبق على اي مكون سوداني . والوصف بالطائفي قد لا يعيب الحال في لبنان ولكن هل توجد طائفية مماثله في السودان ؟

بعض اعداء الأنصار في السودان ظلوا كلما خرجوا من كهوفهم يصفون هذه الجماعة الدينية بالطائفيه بينما جماعة الأنصار تكاد تكون موجودة في اي بقعة من بقاع السودان. وتضم كما نعلم كل الأعراق وجميع الاثنيات من البحر والضهر والجبل فضلًا عن الصحراء. مثلما انضمت لها تاريخيًا مجموعات دينيه صوفية تشمل القادرية كما يجسدها الشيخ الشهيد احمد المكاشفي والسمانيه كما في حالة الشيخ القرشي ود الزين والشيخ البصير وسجادات العليقة وسجادات اخرى لا يتسع المجال لإيرادها ومثل ذلك يقال عن انضمام السجادة التجانيه سواء في دارفور او في خرسي بكردفان او باقليم الجزيرة التاريخي وشرق البلاد او خارج السودان. هذا التنوع الجغرافي والديني والاجتماعي ينفي عنها الطائفية ويجعل من يصف الانصار بانهم (طائفة) أقرب الى جاهل بابجديات الاستخدام الصحيح لمصطلحه. ومثل ذلك ينسحب على الختميه والاتحاديين بمختلف فئاتهم وانتماءاتهم.
ولذلك الوصف الأصح للتكوينات السياسية والاجتماعية والثقافية في السودان بأنها مكونات لاطائفية. فهي حقيقة مكونات عابرة للعرق الاجتماعي والاعتقاد. وواقعها ينفي الاستخدامات الخاطئة للمصطلح. اذ يحدثنا التاريخ والواقع بان الأنصار وحزب الأمه لعبوا أدوارًا مهمه في ترسيخ الانتماء الوطني والحد من النزوع الى العصبية والانتماءات النكوصية والقبلية. فمنذ بواكير دعوة الإمام المهدي تناسى المنتمون للدعوة أصولهم العرقية والجهوية وسمو بها الى دائرة الانتماء الأوسع الى الفكرة. ولذلك قامت مدن فاضلة مثل الجزيرة ابا التي لا يعرف فيها الأنسان قبيلة او جهة ومثل ذلك ينطبق على مدن الهدى وسنجة ومدن تاريخية أخرى أسسها الأنصار. وعندما يسأل الغرباء الانصاري عن قبيلته يقولون لهم قبيلتي (كونوا) ، استلهامًا للاية الكريمة :(يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله) فالدعوة الانصارية فعلًا ومعنى عابرة للانتماءات الطائفية بل عادت بالسودانيين الى الاخاء زمن يثرِب ما مكن من استيعاب الأعراق ومزجها.
ولذلك يصح الاستنتاج بأنه كلما ضعفت الحركة الأنصارية ضعف الانتماء الوطني وتمددت الجهوية وترعرت الاثنيه وازدهرت وعبرت عن تمددها حروبًا وحرائقا وفتنا كقطع الليل المظلم.

ولهذا لا توجد طائفية في السودان. ولاشك ان في لبنان نظام طائفي موروث عن الاستعمار الفرنسي. وهو نظام مقنن، بينما لا تسمح القوانين في السودان بالطائفية ولا تقننها. ووجود الطائفيه في لبنان لا يعني تطابقها مع غيرها حتى لو وجدت. ولبنان نفسه لا يشبه ولا يقارن الا بلبنان ، فهو متفرد في ذاته وتكوينه وتاريخه.
والطائفية في لبنان بقدرما خلقت استقرارًا سياسيًا منعت الانقلابات. ورغم الايجابيات فقد كشفت الممارسة عيوبًا منها تأجيج الغبن الاجتماعي الذي أشعل فتيل الاقتتال الداخلي قبيل مؤتمر الطائف والى استقواء بالخارج لاحقا. ولكن مهما تكن العيوب فالبشر من حيث هم بشر يتطورون ويحاولون السعي الى ما يرونه أفضل لبلادهم ولانفسهم ولتجاربهم. وهكذا رأينا النظام السياسي اللبناني يتغير كما في نتائج انتخابات ٢٠٢٢م . ورغم انه تغيير متواضع ولكنه يشيء بتغيير أساسي قادم وسيطال حتمًا التركيبة الطائفية التاريخية في لبنان. وستصبح الطائفة أثرًا بعد عين في المدى المنظور. فعلى سبيل المثال في الانتخابات الأخيرة ، اظهر (التيار الحر ) الذي يعتبر من اعمدة النظام النظام الطائفي تراجعا في معدلات التصويت والولاء داخل قاعدته وطائفته. بحيث صوت له في عام٢٠١٧م حوالي ٢٧٠الف، بينما صوت له في العام ٢٠٢٢ فقط ١٣٠الف ناخب، وهذا ما اعنيه بوجود تحولات تشير الى تراجع مدهش في الولاءات ومثله ما حدث في الأصوات التي نالها نواب حزب الله. فضلًا أن الانتخابات اللبنانيه أتت بنواب مستقلين داخل البرلمان الجديد. وهؤلاء النواب يؤكدون ان الانتماءات الطائفية حتى في لبنان (الطائفية) تتراجع لصالح انتماءات عابرة للطائفة وللجهة. والشيء بالشيء يذكر لدينا التجربة السياسية العراقية التي بدأت مقفلة وطائفية وانتهت في آخر انتخابات بغير ما تم التخطيط له من الغزاة . هذه التحولات أكدت ان الديمقراطية أيا تكن عيوبها ستصحح ذاتها وأنها الأصلح رغم عيوبها. وعلى نحو ما اكدت ان بعض المصطلحات خرجت عن التداول.
لذلك لا خوف على السودان ووحدته طالما حافظ على كياناته وكانت وسيلته الى الحكم الديمقراطية والقبول. والخشية كل الخشية عليه حد الفزع من الحكم بغير رضا أهله او ممارسة الوصاية على الشعب ، باعتباره رجعي ومتخلف وطائفي.


مواضيع ذات صلة

تحبير .. د.خالد أحمد الحاج يكتب: في الشأن العام

عزة برس

شيء للوطن م.صلاح غريبة يكتب: الترجمة سفر من عالم إلى آخر

عزة برس

فى ذكرى إستشهاده مواجهاً الإرهاب بجبرة.. عقيد معاش بجهاز المخابرات يكتب : أنس، فك آخر الشفرات ومضى

عزة برس

عز الكلام.. أم وضاح تكتب: حتماً سيسألكم الله !!!!

عزة برس

على مسؤوليتي.. طارق شريف يكتب: الكهرباء … هي فوضي !!

عزة برس

بحصافة.. الشيخ القرضاوي مضى في سُننِ الأولين والآخرين إلى رب العالمين.. إمام محمد إمام

عزة برس

اترك تعليق