المقالات

تعاشيق عبدالمعين !! بقلم: إبراهيم أحمد الحسن

الحركة في سوق المدينة تمور وتفور وتحتدم ، يختلط فيها الحابل بالنابل ، تتعالى نبرات الكلام وتخفت وسط عشرات من الصفقات صغيرها وكبيرها تتم بقسم مغلظ من البائع بطلاق يبذله كل حين ولا يتم وعبارات محفوظة تلوكها السنة السوق من الباعة والمشترين .
يتحكر والد عبدالمعين بعراقي وسروال ومركوب والمتجر الواسع به بضع ارفف بها عينات من بضائع قليلة ،جلس ابوعَبْدُه هكذا كانوا ينادونه وهذه هي كنيته في السوق ، وعبدالمعبن لديه اخوة يكبرونه ولكن قانون الازاحة الذي يُفرض فيه حكم القوي هو ما جعل عبدالمعين يتسيد الموقف ويتصدر كل شئ حتى لقب ابوه وكنيته في السوق حاز عليه عنوة واقتداراً وفرضاً للامر الواقع . جلس ابوعَبْدُه خلف (بنك ) المتجر وان شئت خلف ( كاونتر ) المتجر والذي هو عبارة عن تربيزة كبيرة من الخشب امتدت علي طول مترين ونصف المتر وبعرض متر واحد وارتفاع متر وعشرين سنتمترا من ارض المتجر ملحق بها باب صغير بطول متر وبذات ارتفاع التربيزة ليقفل المسافة الباقية من مدخل المتجر . ارضية المتجر من البلاط المزايكو الذي تلاشت الوانه بفعل بقع من زيت وغبار متراكم ، اما سقف المتجر الذي يرتفع عالياً عنان السماء وعلي بعد ثلاثة امتار من ارضيته يبرز السقف المستعار والذي يتكون من قطع من خشب الابلكاش المربعة متساوية المساحات، تتراوح ابعاد القطعة الواحدة حوالي المتر مربع تغطي كل سقف المتجر ، لتفصل السقف الحقيقي عن فضاء المتجر فوق رؤوس الناس . هذه الفراغات الكبيرة التي صنعها السقف المستعار هبوطاً من سقفه الاعلى الذي يتلقى ضربات الشمس وبين ارضيته جعلت الجو داخل المتجر معتدلاً ، بارد صيفاً ودافئ شتاءً حتى ان المروحة العتيدة ما كان مؤشر سرعتها الرقم ثلاثة وفي كل الاحوال . على جنبات المتجر الثلاث تم تثبيت ارفف على طوال حوائط المتجر من الارضيات الي السقف المستعار وفي الطريق الي حائط المتجر الخلفي تم تثبيت فاصل من الخشب عليه باب صغير بارتفاع متر وتسعين سنتمتراً يقود الي دهليز خلفي بعمق مترين ونصف المتر ، تراصت به بعض انواع البضائع وفي ركنه القصي وضعت (خزنة) من الحديد الصلب بارتفاع متر ونصف المتر عن الارض يظل بابها علي الدوام مُشرع وقد فُتحت ادراجها السُفلي علي مصراعيها وتناثرت فيها بلا نظام مجموعة من الاوراق ودفاتر الفواتير واوراق من البنكنوت وعملات قديمة . وفي الركن الامامي يمين الباب تم تثبيت مشجب يعلق عليه ابوعَبْدُه جلابيته النظيفة والعمامة وتحته حذاء من جلد البقر ، في هذا المشجب يتبادل الحركة والسكون الجلابية عندالحضور والانصراف والعراقي عند الانصراف والحضور ويقبع المركوب القديم مع الحذاء الجلدي اسفل المشجب يتبادلان المواقع عند حالتي الانصراف والحضور . يجلس ابوعَبْدُه علي كرسي واسع وهيط من الحديد بنسج من سيور البلاستيك الملونة والتي بهتت الوانها هي الاخرى في بعض اجزائها واهترت وتدلت عند مسند الايادي ومتكأ الكوع .
عبد المعين في عطلات المدارس وكما الجلابية والعراقي عند مشجب المتجر ، يتبادل الوجود بين البيت والمتجر ، حسب ما يثيره من مشاكل وضجر هنا وهناك فيرسله آل البيت الي السوق او يعيده ابوعَبْدُه قافلاً الي البيت عندما يرتفع صوت عراكه عنان السماء مع صبية الدكان الاخرين في السوق . يرتفع صوت محمد التجاني وهو ينادي علي الحضور ان هلموا الفطور جاهز ، اعتاد محمد التجاني والذي هو المؤتمن علي متجر ابوعَبْدُه بخزائنه ومخازنه وحركة امواله وبضائعه الداخل منها والخارج ، اعتاد ان يضيف الي مسئولياته الجسام مهمة تجهيز طعام الافطار في متجر عبدالمعين لمن حضر من المقيمين والسابلة في السوق ، يحمل محمد التجاني صحن كبير اشبه بحوض لغسيل الملابس يذهب به الي دكان صغير في (حي السوق ) يبيع الفول وملحقاته ، يغرف صاحبه مدي إستطاعته من الفول من محصول ذات السنة والذي تم استجلابه رأساً من مزارع الفول في حرض السليم في دنقلا ، يغرف صاحب الدكان الفول من القدر الكبير ويظل محمد التجاني ممسكاً بالصحن بكلتا يديه حتى ينتهي صاحب الدكان من مهمة تعبئة الفول فيقوم محمد التجاني بوضعه علي (بنك الدكان ) ويفرغ فيه كلما تصل اليه يده من منكهات والوان ويبدأ تقطيع بصلة كبيرة حمراء اللون وارد الريف الشمالي للخرطوم في عروة حصاده الشتوية ، بعد ان قام بنثر حبات من ملح ثغر السودان الباسم ويضيف الي الخليط قليل من الشطة (الدنقابة) والتي ترد الي دكان الفول رأساً من سوق ( أم دفسو ) بنيالا ، ثم يقوم بفض غلاف علبتين من الصلصة المصنعة من حبات الطماطم وارد دلتا طوكر ويسكب عصيرها علي الفول ويضيف الي المزيج كورة من الزبادي المصنوع من البان بابنوسة ، ثم علبتين من سمك الساردين ، ويقوم بتحريكه المزيج جيدا ثم يضيف قليل من الشطة الحمراء قليلة الحرارة وارد سوق (ود عكيفة ) مرة ثانية لزوم اللون والنكهة ، وفي مراحل الاعداد النهائية يضيف محمد التجاني الجبنة البيضاء وارد مدينة الدويم ، ثم بهار الشمار الحاضر فوراً من خلاء مدينة ابوحمد ، ثم يسكب نصف رطل من زيت السمسم النقي والذي وصل الدكان علي التو واللحظة من معصرة (الحوري ) في حي المعاصر بالابيض . بذا يصبح خليط الفول مكتمل الزي والزينة فيه من كل ركن من السودان الركين طعم رائع ولون بهيج ورائحة البلد الجميل ،ويحمل محمد التجاني الصحن عائدا الي متجر ابوعَبْدُه ، ومن الفرن المجاور يتناول بسرعة نصف طاولة من الارغفة ، ثم يقوم ببسط جوالات من الخيش والبلاستيك من فوارغ البضائع علي فناء البرندة في قارعة طريق المتجر ، ويعيد نداءه للحضور اجمعين ودون فرز ان هلموا الي الطعام ، يجلس ابوعَبْدُه القرفصاء علي جوال الخيش المفروش علي الارض وحواليه صبية الدكان وبعض جيرانه ومحمد التجاني وبعض عمال العتالة و(عربجية) نقل البضائع ومن تصادف وجودهم من الزبائن من تجار التجزئة اضافة الي من تصادف مروره قرب مجلس الطعام من السابلة والضيوف، تتلاقى عند مائدة الفول هذه قمم السودان من قبله الاربعة وترى علي الصحن سحنات الايدي والوانها ترتفع الي الافواه وتهبط الي الصحن في طمأنينة ورضا وسلام ، محمد التجاني قبل ان يتحكر في موقعه وسط مجلس الطعام يخطف رجله جرياً الي حيث تجلس حاجة زهرة تبيع التسالي ليدس في يدها (سندويتش) من الفول المصلح اقتطعه من الصحن الكبير .ويعود جرياً نحو مجلس الطعام . يتحلق الجميع حول صحن الفول ويصيح ابوعَبْدُه بصوت جهور سموا الله يا جماعة .
ابوعَبْدُه كان تاجر اجمالي في السوق الكبير يبيع بضاعته لتجار التجزئة في الاسواق الصغيرة والاحياء ، كان يورد بضاعته من المصانع مباشرةً او من بضائع الوارد من خارج الحدود عبر وكالات لشركات عالمية معروفة ، المتجر بهيئته الموصوفة كان يدير الي جانب المتاجر الاخرى في السوق اقتصاد المدينة فكل خطوة لشخص في السوق ورائها حركة في الاقتصاد وكل حركة لقطعة من البضائع تجر امامها سلسلة من المنافع تحرك الاقتصاد ، يتحرك الاقتصاد وينمو من خلال الحركة الدوؤب في المتجر . يحمل محمد التجاني كرتونة كبيرة بها مبالغ طائلة من المال يهرول بها وسط السوق متجهاً نحو المصرف القريب ليقوم بأيداعها حساب متجر ابوعَبْدُه ، يهرول محمد التجاني بحمله الثقيل هذا نحو المصرف ولا يخشى عليه حتى الذئب في الخلاء ولا يخاف ابوعَبْدُه ان يخونه من أؤتمن او يغشه من ادار له ظهراً مكشوفاً الا من ثقة ومحبة وقناعة ورضاء وايمان وائتمان .
اوقف عم سليمان عربته (الميركري) الامريكية امام متجر ابوعَبْدُه ، ترك المحرك دائراً ونزل مسرعاً ليتحدث الي ابوعَبْدُه في شأن صفقة كبيرة من البصائع التي وصلت للتو من مورد كبير للبضائع . عبدالمعين نظر الي العربة ، اسرع في اتجاهها دار حولها مرتين ، اعتلى موقع السائق ،امسك بالمقود ، ضغط علي دواسة الوقود ، امسك بناقل الحركة وثبته علي ترس الانطلاق ، وعندما التفت اليه عم سليمان كان عبدالمعين يقود (الميركري ) باهمال وتهور ، في السوق الكبير .
عبدالمعين واصدقائه كانوا مولعين بالسيارات وبمعرفة ادق التفاصيل عنها فلصوت محرك لوري البدفورد نغمة مميزة لا تشبه الفارقو ولا الاوستن ( قدوم قصير ) ولا حتى ابن عمه الفورد ، اما النيسان فينفرد بانه وارد اليابان فيتميز صوت وتصميم انيق ، هذا من ناحية السيارات ناقلات البضائع اما السيارات الاخرى التي كان يمتطيها ويغتنيها التجار وكبار الموظفين فللميركري محرك يختلف صوته عن الرينجر وعن اللاندروفر وعن المرسيدس ، عن البوكس خمسة شنكل وعن كومر البوليس . ووصل الامر ب عبدالمعين واترابه معرفة درجة ناقل السرعة التي تتحرك بها السيارة ما اذا كانت تسير بنمرة ثلاثة ، اربعة او حتى الي الخلف حتى وان وصل اليهم صوت محركها بلا صورة امامهم . اما اذا غرزت السيارة في الرمال في طرف المدينة البعيد فانهم يستطيعون وبسهولة ويسر ان يميزوا ان السائق الماهر فلان هو من اخرج العربة من الرمال باستخدام ترس القوة او ناقل الحركة العادى علي نمرة اتنين او واحد .
صال عبدالمعين بالعربة الميركري وجال في السوق الكبير ك ( عنز بدو طاحت في مريس ) كما يقول المثل العربي الدارج ، داس من داس وصدم ما صدم غير عابئ بصراخ المارة ولا هرولة عم سليمان خلفه بجلبابه الفضفاض ورأس حاسر بل بلا وعى وهو يصيح ( أوقفوا الولد) خوفاً علي عبدالمعين وعلي( الميركري) ، حاول عبدالمعين تغيير ناقل الحركة الي السرعة الاكبر ورفع رجله اليسرى بسرعة عن ( الكلتش ) ، فصل (الدبرياج )الحركة عن العربة فانقبضت ثم توقفت تماماً . واستطاع احد المارة ان ينتزع عبدالمعين من المقود ويقتلعه من موقع السائق قبل ان يحاول ادارة المحرك مرة اخرى ، فلحق به عم سليمان وهو يلهث ، هرب عبدالمعين من الباب الاخر للعربة وقفل عائدا الي متجر أبيه وكانه لم يفعل شيئا . عاد عم سليمان الي متجر ابوعَبْدُه وهو ما زال يلهث ، يسب ويسخط متوعداً عبدالمعين بعقاب لن ينساه ما دام حياً ، وقف ابوعَبْدُه الي جانب صديقه سليمان في تنفيذ وعيده في حين اصطف التجار جيران ابوعَبْدُه في الجانب الاخر منادين بالعفو عن عبدالمعين ، اما محمد التجاني فكان هو حائط الصد الذي احتمى به عبدالمعين متوارياً خلفه اتقاءً لاي هجمات غير محسوبة من عم سليمان لا تكترث لرجاءات التجار الجيران .
هدأت ثائرة عم سليمان وقبل شفاعة التجار الجيران وصفح عن عبدالمعين وفي المقابل طلب الجيران من عبد المعين الاعتذار لعم سليمان ، مد عبدالمعين يده لعم سليمان الذي صافحه باليمني وقرصه في اذنه باليسرى طالباً منه عدم تكرار فعلته الشنعاء هذه . عبدالمعين الذي المه موقع القرصة علي اذنه ، ابتعد ساحباً يده من عم سليمان ليقول له بصوت عال : معليش يا عم سليمان !! بس بالله لقيتني كيف في التعاشيق ؟ ؟ واستطاع محمد التجاني ان يتصدي وكاحرف حارس مرمى في الدوري الانجليزي ملتقطاً حذاء عم سليمان الطائر في الهواء نحو رأس عبدالمعين .


مواضيع ذات صلة

السودان أثيوبيا ، وطبول الحرب.. بقلم: عمار العركي

عزة برس

علي كل..محمد عبدالقادر يكتب: (ويلز) تهزم العطش.. هنيئا ل(دارحمر)

عزة برس

بُعْدٌ و مسَافَة ..مصطفى ابوالعزائم يكتب: ” سودانلاين “..أحلام تسبح في محيط الواقع

عزة برس

عبدالماجد عبدالحميد يكتب : لماذا كشّرت الأجهزة الأمنية والمخابراتية وعجلت بطرد (الخواجية) روزاليندا مارسدن(72) عاماً ؟!

عزة برس

لا يقع الثائر في خطأ واحد مرتين!!..خالد الاعيسر

عزة برس

اجراس فجاج الارض .. عاصم البلال الطيب .. ويلز لو أدركها سهل ..نهر يتفجر من جوف النهود

عزة برس

اترك تعليق