المقالات

السلمانية خواطر وذكريات 1974-1977 ..عرض لكتاب الأستاذ السيد على النقي بقلم: بروف هشام عباس زكريا

في النصف الثاني من الثمانينات كنا مجموعة من الشباب اليافعين ندرس بمدرسة عطبرة الأميرية المتوسطة، والتي أصبحت الآن بواقي أطلال لا يمرُ عليها (الباكينا)،وحده ظل محل العم(سليمان) يقاوم النسيان خارج المدرسة،وأندثرت تلكم الأكواخ التي كنا نشرب فيها الشاي في الجزء الجنوبي الشرقي للمدرسة الملاصق للحديقة الجانبية،حيث نجد ذلكم العامل الخالد في الذاكرة، ومجموعته هناك،كانوا متخصصين في جلب (العصي الخضراء) الطازجة للجلد،اكتسب ذلكم العامل المدرسي أهميته من هذا الباب ،وصار أسماً كبيراً، له جولات وصولات داخل المدرسة،ولكن رغم ذلك كنا نجد فيه مشاعر الأب الحنون،في بعض المرات كان يتمرد على الأساتذة تعاطفاً مع الطلاب ويمتنع عن إعداد (العصي الخضراء).
كنا في تلكم الفترة نسكن بالمنزل رقم (55) بحي السودنة بعطبرة،وبجانبنا قام صرح جديد هو كلية التربية،ظللنا نقضي الأمسيات فيها محاولين اقناع أنفسنا أننا نذاكر،ولكن كان هناك غرض آخر وهو اللعب في ميدان كرة السلة وملعب كرة القدم،وكلية التربية أساساً كانت النادي الترفيهي للحي البريطاني وفيها تم إنشاء أول مسرح مغلق في السودان،ومكانه الآن المكتبة القديمة لكلية التربية والتي أصبحت حالياً قاعات في الجزء الغربي للكلية،وكلية التربية بجامعة وادي النيل تعتبر من أجمل المباني التعليمية في السودان ،وذلك لموقعها الجميل على النيل وبيئتها الشجرية الخضراء التي اكتسبتها الجمال والهدوء والأناقة.
في تلكم الفترة كنا نشاهد رجلاً جميلاً بدراجته (الرالي) كان قمة في النشاط والحيوية،أتى إليها طالباً بعد مسيرة (10)أعوام قضاها في التعليم العام،كان ذلكم الشاب هو الأستاذ /السيد علي النقي،لقد شكًل مع زملاء له الدفعة الأولى بكلية التربية بعطبرة في منتصف الثمانيات،كنا نراقبهم،ومنهم استلهمنا الحياة الجامعية المليئة بالنشاط والحيوية والإبداع،بل اندمجنا معهم في برامجهم واصبحنا جزءً من هذا الأنشطة، نحضرها ونتفاعل معها.
تواردت لي هذه الخواطر وقد وصلتني نسخة من السودان من كتاب(السليمانية)خواطر وذكريات _1974إلى 1977 لمؤلفه الأستاذ /السيد علي النقي.
ولد الأستاذ السيد علي النقي قي قرية جاد الله غرب بربر في العام 1954 ،ودرس في مدرسة جاد الله الأولية ثم مدرسة دارمالي الأميرية المتوسطة، ثم مدرسة عطبرة الثانوية الحكومية ،وآخيرا كلية التربية بجامعة وادي النيل التي نال منها البكالوريوس ثم الماجستير،وعمل بعد ذلك بجامعة وادي النيل الأم في فترة التأسيس، وكان أحد المؤسسين لكلية الطب بجامعة شندي ومسجلاً لها،ثم مسجلاً للتعليم المفتوح بجامعة وادي النيل ومسجلا لكلية الطب بذات الجامعة.
لقد اتسمت الحياة المهنية للأستاذ/ السيد علي النقي بالمهنية العالية والانضباط والحكمة وحب العمل،كانت له علاقة خاصة مع طلابه،وترد في خاطري لحظات احتفالات الطلاب بكلية الطب بجامعة وادي النيل ،فعندما يرد اسم الأستاذ /السيد علي النقي تضج القاعة بالهتاف والتصفيق من الطلاب،لم يكن بالنسبة لهم مسؤلاً رسمياً فقط بالكلية،وإنما كان أباً روحياً ورمزاً تربوياَ.
في هذا الكتاب يقدم الأستاذ السيد علي النقي عصارة خبرته وتأملاته ومشاهداته في جزء من حياته المهنية في التعليم والتي لم تكن تنفصل عن الحياة الخاصة،فالمعلم جزء أصيل في حياة المكان الذي يعمل فيه،يقول في مفتتح الكتاب( حياة الانسان عبارة عن سلسلة من المراحل والأطوار والمحطات ،تتداخل هذه العناصر في حلقات متصلة وتسير في تناغم منسق وترتيب محكم ،فلا مرحلة تسبق مرحلة،ولا طور يتأخر عن الآخر، أنا واحد من بني البشر،الآن تجاوزت الستين من عمري فأكون قد استوفيت معظم هذه العناصر،أقف وقفة تأمل وتفكر،أستدير ناظراً إلى الوراء فأرى مسيرتي تمر أمامي،استرجع بعضاً من أحوال الزمن الذي مضى وأحداثه).
يتناول الكتاب المحطة الأولى لعمله وهي مدرسة السلمانية غرب الابتدائية المختلطة في قرية الضيقة والتي تقع في اتجاه الشمال من قرية فتوار مباشرة،والمسافة بينهما(7) كيلومترات تقريباً،وتمتد من (وادي البقر) جنوباً وحتى (تمر الريشاب) شمالاً إلى قرية ود حضري(حسب حدود السبعينات).
لقد أدخلنا الكتاب إلى شخوص تلكم القرية الوادعة ،وعرفنا عن قرب فريق المضيراب،عمر ود الماحي وأولاده،وفريق أحمد ود فضل الله وأولاده وأسرهم،وفريق الوقيع،اضافة إلى فريق النمور،وفريق الأمين الدغور، وفريق الشيخ ود الماحي ،وفريق السحاباب وغيرهم.
يتحدث الكتاب في سرد جميل عن دكاكين الضيقة مثل دكان وطاحونة أبراهيم ود أبراهيم ،ودكان عبد الرحيم ودحاج الحسن،ودكان الوقيع، ودكان العوض الدغورابي.
يستعرض الكتاب الجانب التربوي في المدرسة ويحكي مواقف الانضباط ويتناول سير الأساتذة خضر قنديل وعمر محجوب ودورهما في ضبط داخلية الطلاب وإثراء المناشط فيها،كما يعكس الجانب الاجتماعي الذي كان يقوم به المعلمون في القرية.
يذكر الكتاب الدور الكبير الذي كان يقوم به المرحوم/عبد الرحيم الياس في استقرار المعلمين بالمنطقة وهو نموذج لانصهار السكان المحليين مع مجتمع المعلمين القادمين من خارج المنطقة حيث ظل يسامرهم ويؤازرهم في سكن المعلمين
لقد عكس الكتاب الحياة الثقافية والاجتماعية بالسلمانية،وعرض بعض أشعار مختار قنديل،وآدم أحمد كرم الله،وعبد الرحيم الياس،أحمد عبده،محمد قنديل.
إن هذا الكتاب يمكن تناوله من عدة زوايا،فقد مثل أهمية التوثيق في تقريب الماضي ليكون العبرة في المستقبل،وما أحوج المعلمين الجدد لقراءة هذا الكتاب ليستلهموا الأدوار الحقيقية للمعلم ،فهي ليست محصورة في جدران المدرسة ولكنها تنداح إلى سوح المجتمع،من جهة أخرى فإن دور البيئة الصحية يساهم في العمل الايجابي ،فرغم تقادم السنوات مازال الأستاذ/السيد على النقي يتذكر المواقف واللحظات مما يؤكد تأثير تلكم السنوات في مستقبل حياته.ولعل القيمة المستلهمة من هذا الكتاب هو الرابطة القوية بين المعلمين،فرغم مرور تلكم السنوات فما زال الود والتواصل بينهم قائماً، ويلتقون سنوياً لإحياء قيم ومعاني السنوات التي عاشوها مع بعضهم.
إن كتاب السلمانية خواطر وذكريات أشبه بالرواية التي تحكي عن الشخوص والأمكنة،فقد عاش الأستاذ/السيد على النقي مع رموز القرية وأمكنتها،كما يعيش الروائي مع أبطال روايته،فأنتج هذا الكتاب الرائع الذي يجب أن تحتفي به وزارة التربية والتعليم بولاية نهر النيل.
أكتب هذا المقال والأمل أن تقوم وزارة التربية والتعليم بولاية نهر النيل، وجامعة وادي النيل بتكريم الأستاذ/ السيد علي النقي،ونلتمس منه أن يكتب لنا عن نشأة جامعة وادي النيل التي عاصرها منذ النشأة وحتى تقاعده عن العمل في العام .2013
أستاذنا الفاضل/ السيد على النقي ،أسمح لنا أن نقول لك،كم أنت عظيم

مواضيع ذات صلة

“عبدالعزيز الصادق” يشكر الجميع ويبعث برسائل لوالي الخرطوم ومدير شرطة المرور

عزة برس

تحبير د.خالد أحمد الحاج يكتب: الوعي أولا وأخيرا

عزة برس

على خلفية حفل التوقيع الإطاري.. نصر الدين مفرح يكتب

عزة برس

ولنا راي.. صلاح حبيب يكتب: الاثنين الامارات في عيدها الوطني ال 51!!

عزة برس

تحت الضل م. نوفا حسين تكتب الأفكار المسمومة

عزة برس

الإتنين الليلة وين؟ والمؤامرات الرباعية المتحدة .. عمار العركى

عزة برس

اترك تعليق