المقالات

القُرنجال بقلم: إبراهيم أحمد الحسن

قدم لنا النادل في المطعم الافريقي الشهير قائمة الطعام والمشروبات , امتدت القائمة طويلاً تصف اصناف المأكولات مكوناتها واسعارها وهي في الاصل مأكولات افريقية في مطعم يحمل اسم افريقي وهي تشبه في عمومها الاطعمة التي تقدمها القبائل الافريقية الي ضيوفها ، والي جانب ذلك قائمة بالمشروبات تشمل مجموعة من العصائر الطازجة المعتادة ثم مشروب لفت انتباهي وكان اسمه ( دواء ) ، نعم دواء !! تقرأ اسمه بكافة لغات قائمة الطعام فإذ به دواء . وهو في تركيبته يشبه الدواء (الواحد دا) ، اذ يتكون من مجموعة من الاعشاب والثمار منها ثمرة الجارناديلا الأرجوانية وهي من اصناف ثمرة العاطفة او ما يعرف بال ( باشنيتفروت ) وهي في الاصل مستجلبة من جنوب أفريقيا وهي ثمرة يتراوح شكلها بين الكروي والبيضاوي، أما لونها ففي الغالب الاعم يميل الي الأصفر أو الأرجواني الداكن عندما تنضج الثمرة ، تضاف الي عصير الدواء الي جانب مكوناته الاخرى كالليمون والجنزبيل والنعناع فيصبح مشروباً له طعم لا يضاهى ولون يخطف الابصار ورائحة ذكية رائعة لا تقارن ، طلبت الدواء وانتظرت النادل ان يأتي به .
سرحت طويلا مع المطعم الافريقي وقائمة الطعام فيه والمشروبات التي تفوح منها رائحة التوابل والمنكهات الطبيعية وتذكرت ( حلو مر السودان ) هذا المشروب السحري الذي يزين كل الموائد الرمضانية في جميع انحاء السودان ويعود عمر المشروب الي تأريخ موغل في القدم يمتد الي آلاف السنوات ، وما ان يقترب شهر رمضان الا وتفوح الروائح المميزة للحلو مر في مراحل تصنيعه الممتدة طويلاً والمكلفة كثيراً ، ف (للزريعة) والتي تمثل استزراع الذرة رائحة ولون وطعم ، فما ان يتم وضع الذرة المكون الرئيس للحلو مر طبقات وتغطيته بجوالات الخيش ورشه بالماء حتى ينبت ثم يتم نشره تحت اشعة الشمس ليجف ومن ثم يتم طحنه وتضاف اليه مجموعة من البهارات والتوابل في مرحلة تسمى ( الكوجين) ولا ادرى لماذا نصر في ذائقتنا السودانية علي وصف العمل غير المرتب والفوضوي بلا انتاج بانه مجرد ( كوجبن ) ربما بجامع كثرة المكونات ، الا انه من الثابت بلا كثير غلاط ان البهارات في حالة الحلومر تضاف بكميات ومقادير موزونة متعارف عليها بصورة دقيقة وتنسب الي كميات طحين الذرة ثم يضاف اليها الماء وتخلط جيداً ويتم انضاجها علي نار هادئة قبل ان يتم تخميرها واعدادها لتصنع في هيئة رقائق ، وعندما يراد صنع عصير من الحلو مر تنقع هذه الرقائق في الماء لفترة محددة ويتم تنقية المشروب من بقايا الرقائق ويقدم بارداً ، وفي بعض المناطق في السودان يتم تقديم المشروب مع بقايا الرقائق ليشرب ويؤكل معاً . فازدواجية الحلو مر لا تقف عند تضاد الاسم المتأرجح بين الطعم الحلو والمر فحسب بل تمتد الي طريقة تناوله التي تتراوح بين الاكل والشرب . وعادة تشارك الاسرة كلها في انتاج هذا المشروب ابتداء من احضار مكوناته والتي ربما تكون من عدة اسواق متفرقة ، تبيع الذرة او البهارات وتشارك في ذلك طواحين الذرة ومكونات المشروب الاخرى .
يمتد بنا الزمان ، نتجول في السودان في انحائه واجزائه كلها ( وكل اجزائه لنا وطن ) عبوراً ومرورا واقامة او خارج حدوده عبوراً ومروراً واقامة فيبرز الحلومر القاسم المشترك الاعظم في الشهر المبارك الاعظم يذهب الظمأ ويثبت الأجر إن شاء الله .
هكذا يبدو الحلومر بمكوناته العديدة وببهاراته العجيبة الا ان ما كان يلفت انتباهي من مكوناته أبداً هو ( القرنجال ) في عاميتنا السودانية او ان شئت ففي العربية متسع للنبتة فيسمونها ( الخولنجان )
وهي نبتة من عائلة الجنزبيل لها فوائد صحية وغذائية عديدة ، ففيها مواد مضادة للاكسدة ويقال انه يحتوي على أربعين نوع من مضادات الأكسدة ويساعد في الوقاية من السرطان ويعتقد انه بساعد في خفض مستويات الكوليسترول الضار في الدم اضافة الي المساعدة في خفض مستوى السكر في الدم كما ان نبة القرنجال تحتوي علي كمية متنوعة من الفايتمينات اضافة الي احتوائها علي نسب من الكاربوهيدرات والبروتينات والدهون والالياف الغذائية . فاذا كانت هذه فوائد مكون واحد من قائمة البهارات التي تدخل في صناعة الحلو مر فما بالكم بالمكونات الاخرى ؟؟ صحيح ان الحذر واجب وعدم الاستخدام المفرط للبهارات وخلط انواعها العديدة ربما ينتج عنه اضرار غير مكتشفة بعد ، الا ان الثابت ان للقرنجال فوائد لا يستهان بها كما انه يدخل في مكونات ( دواء ) القهوة فعندما تذهب الي دكان الحي طالباً منه دواء للقهوة فهو حتماً سيبيعك مجموعة من المكونات يتربع بينها القرنجال ، يا تُرى هل هناك علاقة بين عصير ال (دواء ) في المطعم الافريقي و( دواء ) بهارات القهوة ام انه مجرد تشابه أسماء ساقته الصدفة وحدها ، والي ان نجد الاجابة الشافية ، نتمنى لكم صوماً مقبولاً وكل عام وانتم بخير ، وان شاء الله تعود الايام ويجئ رمضان اعوام واعوام وأنتم لامين وتامين وسالمين وغانمين .

مواضيع ذات صلة

بحصافة .. نداءُ أهلُ السودانِ.. وطوقُ النجاةِ المرتقبِ إمام محمد إمام

عزة برس

العلاقة بين الأمن المائي وحصاد مياه الأمطار..إبراهيم شقلاوي

عزة برس

“باشاب”..بقلم محمد أزهري

عزة برس

الصندوق الأبيض السلاح الحائر..نادية عثمان

عزة برس

دور السودان فى مكافحة الإرهاب ، مطلوب تسويق وليس تنسيق!!..عمار العركي

عزة برس

سعد محمد أحمد يكتب : نظام متوحش لابد من أجر اجتماعي

عزة برس

اترك تعليق