المقالات

قطاع الكهرباء في السودان: الهيكلة والحوكمة(1) بقلم : م محمد عبد العزيز محمد سعيد

بدأ انتاج الطاقة الكهربائية في السودان من خلال شركة خاصة انجليزية هي شركة النور والطاقة في 1925، ثم اشترتها الحكومة السودانية في 1952، وبعد الاستقلال تحولت إلى الإدارة المركزية للكهرباء والمياه كإدارة تابعة لوزارة الأشغال في العام 1959، ثم تأسست الهيئة المركزية للكهرباء والماء بمجلس إدارة منفصل يعينه مجلس الوزراء بموجب قانون خاص في العام 1966 بعد رفض البنك الدولي لتمويل مشروع الطاقة الأول نسبة لعدم الاستقلال المالي والإداري لقطاع الكهرباء، لكن سرعان ما انتكست استقلالية القطاع في العام 1969 بحل مجلس الإدارة وتبعية الهيئة مباشرة إلى الوزير، ومن الجدير بالذكر تعليق تقرير البنك الدولي لمشروع الطاقة الثاني على تخصص وخبرة المدير العام للهيئة في 1971 حيث يرون أنه ضعيف الصلة بالمشاكل الفنية والإدارية للكهرباء على الرغم من خبرته في مجال المياه، واتفقوا أن تتم مشاورة مؤسسة التنمية الدولية عند تعيين كبار التنفيذيين في الهيئة مستقبلا. في العام 1975 تم إعادة مجلس الإدارة وتم تغيير الاسم إلى الهيئة العامة للكهرباء والماء. استمرت الضغوط لفصل حسابات الكهرباء عن قطاع المياه، فآثرت حكومة السودان فصل قطاع المياه عن الكهرباء تماما وتأسيس الهيئة القومية للكهرباء في العام 1982. في العام 2001 صدر قانون الكهرباء- الذي لا يزال ساريا إلى اليوم- وذلك لفك احتكار الهيئة القومية للكهرباء والسماح لشركات خاصة للعمل في توليد وتوزيع الكهرباء وإنشاء جهاز الرقابة على الكهرباء، لكن لم يتحقق الغرض من القانون واستمرت الهيئة محتكرة للكهرباء (بدون رقابة وبدون قابلية للمحاسبة على التكلفة ومستوى الخدمة) إلى العام 2010 بعد دخول سد مروي فتم حل الهيئة القومية للكهرباء وتأسيس خمسة شركات مملوكة بالكامل للحكومة لتحل محلها، وذلك بعد صراع شديد بين الهيئة ووحدة تنفيذ السدود، لكن للأسف لم تتحقق الغاية المرجوة عادة من تفكيك قطاع الكهرباء في الاستقلالية وفك الاحتكار وفتح السوق للاستثمار في الكهرباء والقابلية للمحاسبة على التكلفة ومستوى الخدمة، بل أصبحت الشركات شكلية حقيقتها هي ما كانت عليه الإدارة المركزية قبل ستين عاما كوحدات غير مستقلة إداريا ولا ماليا عن الحكومة وتهيمن على قطاع الكهرباء بدون رقابة وبدون قابلية للمحاسبة على التكلفة ومستوى الخدمة، كما ساهم انهيار العملة في السنوات السابقة في جعل قطاع الكهرباء عبئا ثقيلا على وزارة المالية بعد أن كان مستقلا يسترد التكلفة التشغيلية من موارده الذاتية.
هذا الوضع الأخير يحتاج إلى تصحيح لكن بدون تشويش وإعاقة لعمليات القطاع الذي يعيش أزمة حالياً، ومن المناسب أن تكون غاية التصحيح في هذه المرحلة هو اسعاف القطاع مؤسسيا بما يمكنه من تجاوز الأزمة الحالية وتهيئته لدراسة خيارات المستقبل، ويكون ذلك بتحقيق الاستقلال المالي والإداري للشركة القابضة أولاً، فتخضع لمجلس إدارة يعينه مجلس الوزراء، وأن تكون هي المسئولة والخاضعة للمحاسبة عن الكهرباء، وحوكمة شركات القطاع وتوضيح الصلاحيات ثانيا، وخصوصا ما يتعلق بالاستراتجية وخطة الأعمال والبرنامج الرأسمالي والسياسات والمراجعة الداخلية والعقود والمشتريات والهيكل التنظيمي والتعيين والعزل وإدارة الأداء والأجور والتخويل بالصرف على الميزانية التشغيلية، ثم أخيراً التأكيد على القابلية للمحاسبة ورقابة مستوى الخدمة وتكلفة الكهرباء عبر هيئة تنظيم الكهرباء، وهنا قد تظهر الحاجة لتعديل قانون الكهرباء لمنح مزيد من السلطات إلى هيئة تنظيم الكهرباء (جهاز الرقابة) وكذلك توضيح صلاحيات الوزارة فيما يتعلق بسياسات الطاقة والكهرباء. يأتي بعد ذلك مناقشة خيارات هيكلة قطاع الكهرباء بهدوء وموضوعية، فهذه المسألة ليست ببساطة “الدمج” أم “التفكيك”، وليس التحدي في اختيار الشكل القانوني للكيان الواحد أو الكيانات المتعددة “هيئة/هيئات” أم “شركة/شركات”، بل الأسئلة الجوهرية هي إلى أي مدى ترغب الحكومة في التحكم في سعر الكهرباء وتحمل التكاليف الرأسمالية والتشغيلية؟ وما مدى رغبتها في فك احتكارها لقطاع الكهرباء وفتح مجال الاستثمار للقطاع الخاص؟ وما هو الأنفع والممكن التطبيق حسب وضع الكهرباء الحالي والحالة العامة في السودان؟ وتفاصيل هذه الأسئلة كالتالي:
1. هل يسمح للقطاع الخاص أن يستثمر مستقلاً في توليد الكهرباء أم لا بد من وجود سيطرة حكومية فيكون الاستثمار فقط عبر صيغ قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص؟
2. هل يبقى نقل الكهرباء جهة واحدة أم يسمح بالتعدد فتتأسس شركة/هيئة نقل لكل أقليم؟ وهل يسمح للقطاع الخاص الدخول في نقل الكهرباء وإن دخل هل يكون دخوله مستقلا أم بشراكة مع الحكومة المركزية/الولائية؟
3. هل يكون مشغل النظام مستقلاً عن مالك/مالكي شبكات النقل أم مرتبطاً بها؟ وهل يكون واحداً لكل الشبكة أم يسمح لكل أقليم أن يكون له مشغل نظام للشبكة الخاصة به؟
4. من يشتري من المنتجين ويبيع للمستهلكين؟ هل تكون جهة واحدة حكومية أم متعددة حكومية أم متعددة من القطاع الخاص مستقلاً أم بشراكة مع الحكومة؟
5. ما هي آلية السوق؟ هل يكون محرراً بالكامل فالكل يبيع ويشتري أم تكون العلاقات ثنائية فقط بين المنتجين وبائع/بائعي الكهرباء؟ أم خليطا من ذلك؟ هناك تفاصيل معقدة في آلية السوق فهناك خدمات أخرى ضرورية لموثوقية الشبكة يجب توفيرها.
6. من يدير سوق الكهرباء؟ هل شركة/هيئة واحدة أم متعددة؟ وهل يكون مرتبطاً بمشغل/مشغلي/ النظام أم منفصلاً عن تشغيل النظام؟
7. من يمتلك ويدير شبكات التوزيع؟ هل شركة/هيئة واحدة أم متعددة بتعدد الشبكات؟ وهل تكون حكومية أم شراكة مع القطاع الخاص أم يسمح أن تكون قطاع خاص مستقل؟ وهل يمكن أن يكون مشغل/مشغلي شبكات التوزيع منفصلاً عن مالكها/مالكيها؟
كل الخيارات في الأسئلة أعلاه مطبقة عملياً في العالم من حولنا، وربما نحتاج إلى بيت خبرة عالمي متخصص لدراسة خيارات الهيكلة بالتفصيل وتوضيح الصورة للحكومة، وإجراء مشاورات واسعة حولها، فتختار الطريق الذي تراه الأصلح لوضع السودان على هدى من أمرها.

⭕مهندس مستشار/ محمد عبد العزيز محمد سعيد- الهيئة القومية للكهرباء سابقاً


مواضيع ذات صلة

مولانا أحمد إبراهيم الطاهر : يكتب : أحمد هارون.. جزاء سنمار

عزة برس

تحبير .. د. خالد أحمد الحاج يكتب: أزمة تداول السلطة

عزة برس

تأملات .. جمال عنقرة يكتب: ال ١٣ .. كلهم في الهواء سواء .. أرموا قدام

عزة برس

بُعْدٌ و مسَافَة..مصطفى ابوالعزائم يكتب: ” حميدتي ” .. غياب في دائرة الضوء .. !

عزة برس

آبى أحمد ، غرًد وكأنك رجل مخابرات ..عمار العركى

عزة برس

كتب عبدالماجد عبدالحميد : مفارقة مثيرة للدهشة والسخرية معا

عزة برس

اترك تعليق