المقالات

دولة القانون.. د. عبدالعظيم حسن المحامي يكتب : النائب العام (1)

بمرحلة صياغة الوثيقة الدستورية أقترحت على كاتبيها إلغاء النيابة العامة وإستعادة سلطة تحريك الإجراءات لقاضي الجنايات. فمن حيث الجدوى التشريعية، نظام النيابات غير عملي لدولة مترامية الأطراف، فهو مكلّف من ناحية لوجستية ويفتقر لضمانات الاستقلاليته من ناحية دستورية. عطفاً على ما ذكر، تظل النيابة العامة نظاماً دخيلاً على إرثنا القانوني لتكرّيسها التدابير القمعية لمنظومة المخلوع الأمنية وإطلاقها سلطة الضبط، القبض، الحجز والدخول لتفتيش الأماكن والأفراد. بصورة مباشرة النيابة العامة تجربة هدفها الأساس تخويل سلطة تعز من تشاء وتذل من تشاء.
ضمانات العدالة الجنائية بطبيعتها ذات صفة دستورية لا تتوقف عند التزام السرعة بحيث لا يخضع أي شخص لإجراءات تعسفية تحظر حريته أو أمواله، وفي خاتمة المطاف يستبين أن الاتهام كان كاذباً أو بهدف استغلال الإجراءات. مبادىء العدالة الجنائية المتمثلة في افتراض البراءة والحق في الإفراج بالضمان يقابلها حق المجني عليه والمجتمع في منع الجريمة وتوقيع العقوبة الملائمة حفظاً للأمن والطمأنينة والسلامة دون الإفلات من العقاب مع الحق في التعويض عن الخسائر المترتبة على الجرم.
المدرسة القانونية التي تتبني نظام النيابات العامة مصدرها القانون الفرنسي، وهو نظام مطبق بجمهورية مصر ودولة الإمارات وغيرها. تحت هذه المنظومة العدلية لا رقابة للقضاء على أعمال المستشار أو وكيل النيابة لكون الأخير يمارس عملاً قضائياً. بالسودان اختلفت المحاكم في دور رقابة القضاء على أعمال النيابة، فالقانون، عندما استحدث النيابات كانت جزءاً من السلطة التنفيذية. بعد فصل النيابات من وزارة العدل لم يخلُ الأمر من غموض حيث بات القضاء والنيابة سلطتين متوازيتين ضمن منظومة عدلية بلا بيان لحدود الرقابة بينهما.
الخلل الجوهري الذي لازم نشاة النيابات العامة تجلى في قانونها وشكلها وأدائها وانعدام تدريب كوادرها لتصبح محطة لتعطيل الحقوق بموجب لوائح خلقت من وكلاء النيابة سلماً من الاستئنافات يفوق القضاء في مراحله ودرجاته. حفاظاً على حقوق المجني عليهم والمتهمين تبنّت محاكمنا العادية والدستورية تفسيراً عملياً راقب قرارات النيابة العامة متى خالفت النصوص الصريحة. لضيق المدعي العام ذرعاً من رقابة القضاء لجأ لوزير عدل المخلوع، فلم يتردد الوزير في أن يلتمس المحكمة الدستورية لتفسّر نصوص القانون بوجه يحظر الرقابة على أعمال النيابة الجنائية. المؤسف أن المحكمة الدستورية بأغلبية الرأي استجابت للطلب لتزيد في أوضاع العدالة الجنائية سوءاً وتعقيداً.
د. عبد العظيم حسن
المحامي الخرطوم
1 أغسطس 2021


مواضيع ذات صلة

سعد محمد أحمد يكتب: أراضي السودان والفرص الضائعة

عزة برس

بينما يمضي الوقت .. “كباشي” يضغط على الجرح .. أمل أبوالقاسم

عزة برس

مصطفى ابوالعزائم.. من هو صاحب «أشهى» وأجمل عمود صحفي يومي …!؟ مصطفى ابوالعزائم

عزة برس

تراجع دور الإتحاد الإفريقى فى السودان … أسباب و حلول.. عمار العركى

عزة برس

بينما يمضي الوقت القومة ليك يا (ولدي) أمل أبوالقاسم

عزة برس

بحصافة.. المخدرات.. الخطر الداهم على السودان! إمام محمد إمام

عزة برس

اترك تعليق