المقالات

كل شئ هادئ في العناية المركزة.. بقلم : إبراهيم أحمد الحسن

 

يرى الرفاق في المشفى يصارعون الموت “أحدهم بدأ يغني بصوت عال ولمدة ساعة قبل أن يموت.. وآخر كان قد زحف إلى الشباك.. وهاهو الآن ملقىً تحته.. وكأنه أراد رؤية السماء للمرة الأخيرة”.


من منا في سنوات العمر البض لم يقرأ هذا المقطع و هو يرتجف ، بل من ؟ ممن قرأه لم يتخيل نفسه في مكان بطل القصة في مستهل العقد الثاني من سنوات عمره الغض . من منا قرأ و لم يبك أو يحن ويشتاق الي امه وهي في الغرفة المجاورة ل غرفته التي يطالع منها الكتاب . من منا لم يعش لحظات حاسمة مع ابطال رواية لا أحد منهم يريد الموت او مغادرة الدنيا .. من منا قرأ ولم بجد نفسه وسط ثلة شباب يافعين ابطال كانوا يأملون في الحياة و يتشبثون بها و هم في اتون حرب لا تبقي و لا تذر ، يرددون و تردد معهم أنت “الحياة شرك دائم ضد تهديدات الموت ” ، من منا قرأ و لم يتخيل هؤلاء الصغار أيديهم متشنجة ، متسخة وجوههم ملطخة السيماء ، متشحة ببقع سوداء و بقايا الطين ، و هم في رعب ماثل ، يصلّون و يبتهلون و ( يتضرعون ) الي الله كي يبقيهم على قيد الحياة ويديم عليهم نعمة النَفَسْ الطالع .. نازل .. و هم يتصايحون “ليس الآن.. ليس الآن.. ليس الآن ” تفادياً للموت الذي يتساقط علي روؤسهم قذائف و قنابل وحتوف ، يتصايحون في خضم حرب خاضوها صغاراً يافعين ، حرب تصف الرواية اوارها و تنقل صورة باذخة من ميدانها ترينا صواريخ تصبغ الليل بالضياء، و تسمعنا الرعد ومدافع الدبابات.. وابل من طلقات البنادق الآلية .. الهواء محشو بالبكاء والصفير.. الأوساخ تتطاير والاشلاء ، والشظايا تئز والأضواء الكاشفة تغمر السماء المظلمة.. طبول النار و البرق و الرعد وحواجز من نار ولهيب .. ألغامٌ تخصف الارض و تقصف السماء وقنابل يدوية تدوي و تئز و تئن ، تقتل من يقذفها قبل المقذوف في وجهه .” إنها مجرد كلمات.. لكنها تشتمل على بؤس العالم كله ” تقول الرواية .
لا ادري لما جال بخاطري ” كل شئ هادئ في الميدان الغربي ” للكاتب إريك ماريا ريمارك الرواية التي نقلت تجارب الجنود الألمان خلال الحرب العالمية الأولى ، كُتبت الرواية في اعقاب الحرب العالمية الاولى بعد عقد من صمت مدافعها و سكون اوارها .. تحديداً في 1929 , قرأتها في نسختها باللغة العربية بعد نصف قرن من كتابتها ، أذكر تماماً تفاصيل الرواية التي اهداها لي والدي وقد اشتراها لي خصيصاً من مكتبة محطة الخرطوم للقطارات والتي مر بها عابراً الي عروس الرمال مكان اقامتنا وقتئذٍ ، و اذكر جيداً انني اخذت الرواية فرحاً ثم وضعتها فوق كيس ورقي به بعض الكعك الذي صنعته عمتي بحب و ارسلته صحبة والدي ، فعلت ذلك لانظر غير الكتاب من الهدايا التي احضرها والدي معه حتى اظفر بنصيب الاسد منها مع علمى القاطع بان الوالد عليه الف رحمة ونور كان احرص ما يكون علي تحديد الامور بدقة متناهية فيكتب الاسم علي كل هدية و لا يتركها للصدف ، للاهواء ، او طمع الصغار ، و عندما انتبهت الي الرواية التي مكثت طويلاً فوق كيس الكعك وجدتها و قد تشربت في جانب من اطراف اوراقها ب سمن الكعك البلدي المكون الرئيس لصنعه فتشبع الكتاب بلونه و رائحته الشامخة ، اخذت الرواية برائحة الكعك و السمن البلدي و انتبذت ركناً قصياً في البيت و طفقت اقرأ .
عشت الرعب مع ابطالها ، افرح لفرحهم احزن و أبكي عندما يموت رفيقاً لهم في اتون معركة و احرد الغداء عندما أقرأ “اليوم سيحصلون على طعامٍ وافرٍ، فقد عاد من العملية ثمانون شخصاً بدلاً من مائة وخمسين” و حين اشتم رائحة البارود المخلوط برائحة السمن البلدي المنبعثة من طيات ورق الرواية اتشوق لقراءة الفصل التالي و أخوض معهم معركة جديدة ، تعاطفت معهم و هم يتعرضون لضغوط نفسية جسيمة وجسدية لا قبل لانسان بها ، ثم ضغوط عقلية فادحة عاشوها هم و زملائهم من الجنود أثناء خوضهم غمار الحرب .
ثم هانذا اعود بعد قرابة نصف قرن آخر من الزمان لتخطر علي بالي الرواية تسد علي رائحة السمن البلدي آفاق حاسة الشم و الذوق و الطعم ، بل هانذا اتذكر ما كتبه اريك ريمارك قبل قرابة قرن من الزمان علي لسان بطل روايته في جزء حاسم منها و يقول فيه ” أحدهم بدأ يغني بصوتٍ عالٍ ولمدة ساعةٍ قبل أن يموت.. وآخر كان قد زحف إلى الشباك.. وهاهو الآن ملقي تحته.. وكأنه أراد رؤية السماء للمرة الأخيرة ” ، اشتم رائحة السمن البلدي و (نشادر) الكعك تتسرب غازاً الي انفي و انا ارى الطبيب المعالج يغني ساعة احتضار . و ياله من غناء و يا له من احتضار .
نال المقطع الذي تم نسبته الي مكان ما في مستشفى ما لطبيب ما ، في احدى غرف العناية الفائقة في الخرطوم و هو يغني بصوت حزين رائعة الراحل المقيم دكتور علي شبيكة ( لما ترجع بالسلامة ) ، ناله ما ناله من التقريع و الاستهجان ثم من الاشادة و الاستحسان ، وهكذا تتعدد الاراء و تتنوع و تتناقض و هكذا هي الدنيا حزن و فرح ، سعادة و شقاء ، قبح و جمال ، تعاسة و هناء ، دموع و ضحك ، رأي ورأي آخر نقيضه ، يراه الأول أعوجاً و يراه الثاني رأى علي قدم المساواة مع الاول ، ما كان الطبيب يشذ من حال الدنيا بعيداً – كما يري البعض – و هو يترنم ( يوم رحيلك ياحبيبي / شفت كل الكون مسافر / لا هزار في روضة غنا / ولا زهر عطر بيادر / لا تلاقي يروي شوقي / لا حديث يجبر بخاطري / الشهور ياريتا تجري / وكل يوم ياريتو باكر / لما ترجع يا ربيعي / للقليب المشتهيكا / وزي عوايدك تحتويني / رعشة من الشوق إليك / عيونك الضحاكة تبكي / والمشاعر فايضة بيها / يا حلاتك يا ربيعي / ويا حلاة الدنيا بيك ) صحيح لم يتغنى الطبيب بالاغنية كاملة و ترك ( لما ترجع بالسلامة / وترجع أيامنا الجميلة / يا سناء الروح ويا مداما / ويا عوطفنا النبيلة / تهدي ليلاتنا ابتسامةً / من زمان بنقول حليلا ) و صحيح انه لم يكمل ، او من ارسل المقطع اكتفى بما نشر ، و لكن الرسالة وصلت كاملة غير منقوصة و اشتعلت الاسافير ، والبال في الناس اشتعل ، من يرى ان جلالة الموت و هيبة الفراق تتطلب رزانة اكبر و موقف يجلله الحزن و ربما الدموع لا الغناء ، وآخر و من منصة مهنية بحتة يبدو مستاء من تصرف الطبيب و يرى ان الموقف المهني الاحترافي يتطلب من هذا الطبيب ان يكون الي جانب زملائه الذين يعالجون سكرات الموت و ساعات الإحتضار و صفير الاجهزةالتي تقرأ النبض و ضغط الدم و حالة القلب ضرباته (والرزم) ، ثم تحصى الانفاس و تقرأ مستوى الاوكسجين في الدم ، و اقتراب الشاشات التي تقرأ كل ذلك من لحظات الصمت المبين و السكون الابدي وفي فجاج الردى تدفن الألم ، وفوق ذلك يشير البعض الي زي المغني الذي يحمل من الشارات و العلامات ما يشئ بانه الاعلى تراتيبية وسط زملائه الذين بدأوا منشغلين و مستغرقين في اتباع بروتوكول اللحظات الاخيرة في العلاج و غير ملتفتين الي غناء رئيسهم الذي انشغل بإنشاء مقطع الوداع و شغل معه – ربما – مصور آخر قطعاً هو طبيب او من الكوادر الطبية المساعدة . و اختلاف الاراء ذاته هو ما يجعل آخرين يرون ان ما قام به الطبيب طبيعي مبرر ، ولا يعدو ان يكون انساناً ملء عواطفه اطلق العنان حراً لنفسه البشرية لتعبر عن احساسه بفراق شخص ربما لم يك يعرفه من قبل الا من خلال ما سمعه عنه و شكل وجدانه مترعاً بالرهف وطيب الحنايا وقادته شتى المشاعر الي ان يتغني عزفاً من جميل اغنيات الذي يرحل امامه الي دار البقاء، يحضرني هنا ما قال به ديل كاربنجي ، صاحب الكتاب الذي بيعت منه اكثر من 16 مليون نسخة ( كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس ) و الكتاب الاشهر ( دع القلق و ابدأ الحياة ) حين قال ” عندما تتعامل مع الناس تذكر انك لا تتعامل مع مخلوقات يحكمها المنطق ، ولكن مع مخلوقات تحكمها العاطفة “. ولعل من أيدوا ما قام به الطبيب يتحججون بما فعله ذلك الشفيف الذي نحر فؤاده واحة للنشيد غداة رحيل حمد الريح فعزف علي السبورة ملء جراحه ودفن الالم فى فجاج الردى ونثر الدموع لرياح العدم ثم صار يغني الصباح الجديد للراحل نفسه بصوت عالي التطريب “لم يعد لى بقاء فوق هذي البقاع / الوداع الوداع ياجبال الهموم / ياضباب الاسى يافجاج الجحيم / قد جرى زورقى فى الخضم العظيم / ونشرت القلاع … فالوداع الوداع” ومع فارق جغرافيا المكان و التوقيت الا انهم يرون ان الحزن هو الحزن ، حراً طليقاً يمشي عند اوانه في كل المدائن كالطيور ما “في ايدها خرطة و لا جواز سفر ” . و يرى البعض ان هذا الطبيب لم يشذ كثيراً عن ما تردد ان الفنان الكبير الكحلاوي و عند رحيل القامة ابراهيم الكاشف في سبتمبر 1969، أوفى بعهد قطعه للراحل وغنى عند قبره ، حيث يقال ان الكحلاوي اعتلى تلة صغيرة في المقابر و غنى و المشيعون ينزلون الكاشف في القبر .. نعم غنى ( وداعا روضتي الغناء ) لم يتورع الكحلاوي – حسب الرواة – ان يردد بصوته الشجي ” وداعاً روضتي الغناء وداعاً معبدي القدسي / طويت الماضي في قلبي / وعشت علي صدي الذكري / وهذا الدمع قد ينبي ما بالمهجة الحيري / لماذا الهجر يا حبي…لماذا دهرنا ضنّ وشبّع روحي باليأس…/ وداعاً روضتي الغناء وداعاً معبدي القدسي ) ، الطبيب تغني في حضرة الموت ( عيونك الضحاكة تبكي ) فجمع الضحك و البكاء كما جمعها علي شبيكة ، و الكحلاوي غنى (وهذا الدمع قد ينبي ما بالمهجة الحيري ) و هنا دمع مهجة الكحلاوي كان حاضراً ساعة التشييع في المقابر . وناحر فؤاده للنشيد ، أكد ان سحر الحياة خالد لا يموت وهو ينشد لضباب الاسى وجبال الهموم و ظلام لا يزول ” فتلوت الصلاه فى خشوع الظلال / وحرقت البخور واضأت الشموع / ان سحر الحياه خالد لايزول “. ثم جاء علي لسان بطل رواية (كل شئ هادئ في الميدان الغربي ) ان ” أحدهم بدأ يغني بصوتٍ عالٍ ولمدة ساعةٍ قبل أن يموت ” هنا غنى المحتضر اصالة عن نفسه حتى الموت . و السؤال الذي يطرح نفسه هل غاب الغناء عن مأتمنا علي مر العصور ؟ و هل كانت المناحات التي هي نوع من الغناء حاضرة في وداع اعزاء لدينا ؟ بل هل كان ايقاع صفقة النساء الباكيات و هن يشيعن الراحل او الراحلة الي الشارع في الطريق الي المثوى الاخير هل كانت نوع من الايقاع المفضي الي طرب ؟
و مع ذلك يغني الطبيب حزناً على ( شبيكة )، ويدفن الشفيف ( ناحر فؤاده واحة للنشيد ) يدفن المه فى فجاج الردى وينثر الدموع لرياح العدم ويترنم بصباح حمد الريح الجديد غداة رحيله ، و يغني الكحلاوي وفاء لعهداً قطعه ل ( الكاشف ) ، ثم في لحظات انسانية فارقة يغني المحتضر حزنا علي نفسه حتى الموت ويصوره ايرك ماريا ريمارك وهو يرى رفاق بطل روايته في المشفى : “أحدهم بدأ يغني بصوتٍ عالٍ ولمدة ساعةٍ قبل أن يموت.. وآخر كان قد زحف إلى الشباك.. وهاهو الآن ملقىً تحته.. وكأنه أراد رؤية السماء للمرة الأخيرة”.


مواضيع ذات صلة

القبيلة في الفعل السياسي بقلم د. صديق مساعد

azza press

بالواضح.. فتح الرحمن النحاس يكتب : الشجار بين العسكري والمدني

azza press

علي كل.. محمد عبدالقادر يكتب : العسكريون والمدنيون..نهاية متوقعة!!

azza press

طروس.. الناظر ترك في مواجهة الكراهية بقلم : محمد عثمان إبراهيم

azza press

همس الحروف.. أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ بقلم : الباقر عبد القيوم علي

azza press

العسكر والساسة أليس.. بينكم رجل رشيد بقلم :د. صديق مساعد

azza press

اترك تعليق