حوادث

“الشيطان”.. من صفحة الكمين بالسوداني.. يرويها “محمد أزهري”

الشيـــــــطــــــــــان

يرويها : محمد ازهري

١
 
(ش)، واحدة من مئات السودانيات اللائي يعانين ظلم الأزواج، وهي كذلك واحدة من آلاف المواطنات  الكريمات اللاتي يتحولن من سيدات وإنثوات ناعمات إلى رجال تحول غير بيولوجي، الواحدة منهن تتخلى عن طبيعتها الأنثوية وتتأبط حقيبة الرجل الخشنة، ثم تخرج إلى الحياة غير مبالية بما يعترض طريقها من مشاق وصعاب في مجتمع قاسٍ على المرأة العاملة، يحدث هذا عندما تحتاج المرأة لسد فجوة تركها شريك حياة تلذذ بأنوثتها وهرب عندما جاءت نتيجة اللذة أبناء يحتاجون إلى لقمة عيش ورعاية تمكنهم من عيش حياة كريمة، في ظروف غاية الصعوبة.
(ش) واحدة من النساء اللائي وجدن أنفسهن في وضع لا يحسدن عليه، في قلب العاصمة الخرطوم المثقلة بهموم أكل العيش،الذي أصبح أمر الحصول عليه أشبه بالمعارك القتالية لدى الرجال، (ش) نمطت نفسهاعزيمة الرجال وامتلكت أسلحة ثقيلة لخوض معارك السوق الطاحنة وسط مجتمع يتعامل مع أمثالها كفريسة سهلة المنال خصوصاً وأنها تتمتع بشيء من الجمال، في سوق يقع طرف الخرطوم مكتظ بالحركة التجارية تحصلت على (ضلفة) استأجرتها من صاحب متجر، خصصتها في تجارة مستحضرات التجميل حسب طبيعتها النسائية، حاولت أن تهرب بها قليلاً إلى عالمها المفقود عالم النساء الخاص، لكن هيهات سرعان ما تصم أذنيها بذاءات صبية السوق ولعنات كبارهم وتعيدها إلى عالمها الحقيقي، (انتزاع لقمة عيش) من أسنان التماسيح، بينما ينعم شريكها مع زوجته الثانية في إحدى الولايات الهادئة، بعيداً عن ضوضاء العاصمة وصرخات صغاره في لحظة جوع.

٢
كانت تعتصر ألم هجرانها، ولا تعير الأمر اهتماماً، فهي تعيش على بصيص أمل تنتظره في المستقبل، فكلما رأت وجوه أطفالها الثلاثة، النضرة، وابتساماتهم البريئة، تقتل كل إحساس لديها تحيي ذلك الأمل ألف مرة من أجلهم، واجهت أصناف من العذاب الذاتي والهموم، صاحب المنزل بدأ يهددها بالطرد لعجزها عن سداد فاتورة الإيجار لشهرين متتاليين، فهي ليست بـ(حاو) حتى توفق بين إيجار المنزل ومصروفات المدارس وتصريف الأمور المعيشية، لكنها بدأت كذلك عندما صمدت كل تلك الفترة دون استدانة أو حاجة لأحد.
ثقلت عليها الحياة ، لا حياء لمن كان شريكها، بل إنه ينعم هناك مع زوجته الثانية، بعيداً عن ضوضاء العاصمة وصخبها، جلست مع نفسها تفكر في من يسند ظهرها لمواجهة الحياة، لم تجد غير صغيرها (ع)، 10 سنوات، الصغير كان شهماً بما يكفي لسد خانة والده الهارب عمداً، الهارب -هناك بعيداً عنها- تجارتها في أغراض النساء بدأت تنمو وتزدهر شيئاً فشيئاً، (الضلفة) أصبحت تضيق بالبضائع والأصناف، صغيرها كان ينهي يومه الدراسي ويأتي إليها في السوق، علمته كيف يعاونها في العمل، أظهر فطنة في التعامل مع الزبائن، رغم أمنياتها في أنه سيصبح طبيباً، لكنها تقول مع ذلك سيكون (تاجراً شاطراً)، بينما (ع) ينخرط في معاونة والدته كانت عين (الشيطان) ترصده، وتراقبه بل ترصده جيداً، حركاته وسكناته، متى يأتي إلى السوق ومتى يخرج منه، كيف يقضي يومه برفقة والدته وأين يذهب أثناء تواجده في السوق، ماذا يفضل في الأكل والشرب، وما هي هواياته.

٣
(الشيطان) ما هو إلا شاب نحيل الجسد طويل القوام شديد الجرأة بالغ الخطورة، هذا الشاب درس حياة الصغير جيداً ثم بدأ يقترب منه رويداً رويداً، كان  يخطط بدقة متناهية لشيء خارج نطاق الإنسانية، قال الشاب للطفل إنه صاحب شركة تساعد المساكين، ونسبة لظروف والدته فإنه سيعطيهم بضائع بأسعار مناسبة وينتظر قيمتها بعد بيعها، الطفل المهموم بمساعدة والدته سال لعابه للفكرة وحاول مفاجأة والدته بأن ذهب مع الشاب إلى موقع الشركة حسب طلب الأخير، لكنه ببساطة وقع في شرك (الشيطان) اللعين، الطفل وجد نفسه داخل منزل محاط بسور عالِ، وبوابة حديدية محكمة الصنع، المنزل يتوسط ورش ميكانيكا وبعض المحلات الخاصة ببيع الإسبيرات، حركة السكان فيه ضئيلة، يبدو أنه اختار هذا الموقع بعناية فائقة، المفاجأة الكبرى بالنسبة للصغير أنه وجد داخل المنزل نحو 6 أطفال أعمارهم بين العاشرة والثانية عشرة، أكبرهم لا يتخطى الخامسة عشرة، الفاجعة أن بعضهم مقيد بالحبال، لحظة دخول الشاب صمت الأطفال وكأنهم رأوا شيئاً مرعباً، منذ الوهلة الأولى وبدون مقدمات طلب من الصغير أن يشاهد في صمت ماذا يحدث، أدخله غرفة صغيرة واغتصب أحد الأطفال أمام عينيه، حالة من الصدمة والذهول اعترت الصغير حاول البكاء فأدخلت له قطعة قماش في فمه وتعرض لعملية اغتصاب مثله مثل الذي سبقه، أغمي عليه لكن لا حياة لمن تنادى، خرج الشاب وعاد لهم بالأكل ليلاً، بالمقابل جن جنون الأم لإختفاء صغيرها (ع) طافت كل المتاجر والمحلات داخل السوق، عادت إلى المنزل وسألت أخويه، لكنها لم تجد إجابة، أسرعت إلى قسم الشرطة مدونة بلاغاً تعاطف معها أحد أفراد الشرطة وحاول مساعدتها، لكن لا نتيجة تعيد طمأنينتها في ذلك الليل (المُر)، لم تجد للنوم طريقاً، بل لم تجف مقلتيها من الدموع، وهي تفقد لأول مرة صغيرها الذي يقاسمها السرير، خرجت فجراً تعيد البحث، تلهث وراء كل طفل تراه من بعيد، تصيبها الخيبة عندما تجده طفلاً آخرا، وهي على هذه الحال، حتى اليوم الخامس، والصغير هناك يتعرض لأقسى أنواع الاغتصاب مع ضحايا آخرين، لقب (الشيطان) ليس من وحي خيال الكاتب بل هو لقب حقيقي يطلقه الصغار على الشاب، بل هو يفضل أن ينادوه بهذا اللقب.

٤
داخل منزل (الشيطان) تحدث أمور مثيرة للتعجب بأن أصبح الصغار ينصاعون له وينفذون تعليماته بطريقة غريبة، حتى وإن ترك بوابة المنزل مفتوحة فإنه يعود ليلاً ويجدهم دون نقص أو هروب أحدهم، هذا الأمر خلف سِراً مُحيراً ولغزاً يحتاج إلى تفكيك، وغموضاً خالياً من بقع ضوء حتى ولو صغيرة، لا أحد يستطيع تفكيك اللغز وكشف الغموض، لكن لا بأس لنرى ماذا يحدث.
(الشيطان) يصطحب الأطفال كل ثلاثة أو أربعة أيام إلى النيل، فهو يقع قريباً من الحي الذي يحتجز فيه ضحاياه، يقودهم أمامه وكأنهم قطيع من الأغنام لا أحد يحاول الهروب أو التفكير في ذلك خوفاً من شيء كان يهددهم به، في النيل يطلب منهم النزول للاستحمام والتنزه ثم يعيدهم إلى المنزل، الطفل (ع) ربما كان الوحيد الذي يبدئ مقاومة ويطرح الأسئلة الصعبة على الشاب، لم يجد إجابة غير الضرب والاغتصاب، كان متمرداً رغم ما يتعرض له. وفي يوم من الأيام وهو في الطريق إلى النيل اقترح على أحد رفقائه الهروب عنوة.. كانت فكرته بالنسبة لرفيقه بمثابة الموت، لكنه نفذها بكل جرأة وباغت الشاب بإطلاق ساقيه للريح واختفى وسط الحي، الشاب ركض خلفه لكنه فشل في اللحاق به، تركه وعاد لبقية ضحاياه، الطفل أول ما خطر على باله هي والدته التي قتلت الأرض بحثاً وكادت أن تموت شوقاً لرؤيته وهو بصحة جيدة، الوقت الذي هرب فيه كان عصراً لذلك توجه إلى السوق مباشرة تسلل خفية إلى موقع قريب من محل والدته كان يرتجف خوفاً ويتصبب عرقاً ملابسه متسخة كحال المشردين تماماً، من بعيد رأى والدته سالت دموعه شوقاً لها ظل يراقبها في ثبات لكن بمجرد أن نببها أحد جيرانها وأشار إليه بسبابته فر الصغير هارباً بطريقة مثيرة حاول بعض جيرانها اللحاق به لكنه اختفى في زحمة السوق، هنا انهارت والدته من شدة البكاء وظنت أن ابنها قد انضم إلى مجموعة مشردين وهجر المنزل، لكنها لا تعلم أنه هرب من أجلها، – نعم من أجلها – هرب لأن (الشيطان) كان يهدده كل يوم بأنه سيقتل والدته إذا هرب وعاد إليها، الطفل حمل التهديدات محمل الجد، فأخذ يتسلل إلى السوق بين الفينة والأخرى ليرى والدته بخير ثم يعود إلى مهجره الجديد وهو أحد أزقة السوق المتسخة، الدهشة والحيرة اجتمعتا لدى التجار، والدته تحترق بالتفكير لكن الشيء الوحيد الذي طمأنها هو أن صغيرها حي يرزق. الشرطة تجري بحثها في الضفة الأخرى دون جدوى أو كثير اهتمام فإن مئات الأطفال تائهون ومختفون.

٥
(ش) فكرت في نصب كمين يقطع طريق صغيرها عندما يحاول التسلل إلى السوق ويعيده لها لتروي ظمأ شوقها، حاول بعض زملائها مساعدتها في الكمين بدأوا يراقبون مداخل ومخارج السوق، أصبحت السيدة محطة لكثير من معارفها يسألون عن مصير صغيرها بين هذا وذاك حضر إليها شاب نحيل الجسد فارع القوام يرتدي (بدلة اشتراكية) الشاب يحمل كراسه في يده ويضع قلماً في جيبه، عرف نفسه بأنه يتبع لمنظمة حقوقية تعمل في مجال حماية الطفولة، بدأ يتحرى معها عن اختفاء (ع) لكنه كان شديد التركيز على معلومة أن الطفل ظهر في السوق بعد اختفائه وحضر من على البعد ثم هرب مجدداً، السيدة (ش) المتعطشة لرؤية ابنها استرسلت في الحديث مع الشاب، ملكته كل المعلومات المتعلقة بحالة صغيرها الغامضة، بالمقابل يدون الشاب في كراسته بدقة، يبدئ بعض التوتر كلما اشتدت عزيمة السيدة في إصرارها على كشف الغموض والانتصار لابنها البرئ، يبدو قلقاً كلما هاتفها الشرطي الذي يعمل على مساعدتها، يحاول إقناعها بأن لا فائدة من الشرطة يردد لها بأن منظمته قادرة على استعادة ابنها ودمجه في الأسرة بصورة أفضل، السيدة لا ينطبق عليها المثل المحلي الشهير (المودر بفتح خشم البقرة)، أي الذي يبحث عن شيء مفقود فإنه لا يبالي في فتح فكي (البقرة) عله يجد ما يبحث عنه.

٦
الشاب يجدد زيارته إلى (ش) كل يوم ويكرر ذات الأسئلة بطريقة مريبة، في واحدة من زياراته وهو يجلس على مقعد إلى جانب السيدة أمام متجرها، تسلل الطفل للاطمئنان على صحة والدته من تهديدات (الشيطان)، هنا جن جنون الطفل الصغير .. و ..

٧
 في الحلقة القادمة سنكشف من هو الشاب الذي رآه الطفل مع والدته، وماذا يريد، وما هو السِر المحير واللغز الغامض الذي يمنع الأطفال من الهروب في غياب (الشيطان)، وما هو مصيره، ومصير بقية الضحايا المحتجزين، وكيف تجسدت السيدة (ش) دور رجل المباحث وابنها دور (الطُعم) الذي وقف غصة في حلق (الشيطان)، كل هذا .. (السبت) القادم.

السوداني السبت 8 مايو 2021


مواضيع ذات صلة

في محكمة إنقلاب 1989م.. فئتان مرتبطتان بالتخطيط

azza press

افتتاح مشنقة “إعدام” جديدة بـ”سوبا” لتخفيف الضغط على سجن “كوبر”

azza press

الشرطة : تفاصيل محاولة اقتحام السجن القومي بكادقلي

azza press

بسعة (3600 ) نزيل.. وزير الداخلية ومدير عام قوات الشرطة يفتتحان سجن الولاية بسوبا

azza press

*وزير الداخلية يشهد بدار تربية الأشبال الإحتفال بيوم الطفل الأفريقى وإطلاق سراح (11) طفل

azza press

حملات واسعة ضد تجار ومضاربي العملات تسفر عن ضبطيات

azza press

اترك تعليق