المقالات

إبراهيم أحمد الحسن يكتب : كربون

وقفت العربة البوكس موديل العام ايقونة سيارات منتصف سبعينات القرن الماضي امام المنزل ب عروس الرمال و فَتَح الباب جوار السائق وأنزل رجله اليمنى ..وضعها علي الارض وباقيه لم يزل داخل السيارة ثم طفق ينادي بصوت جهور … تدافعنا كل يسبق الاخر نحو باب الحوش تلبية نداء يا فلان الذي كان كافٍ ليجعل كل فلان في الجوار السعيد يهرع نحو مصدر الصوت ظناً منه انه المعني بهذا الفلان ليقف امام المُنَادِي ليقول نعم يا عم فلان .. الذي ربما يكون فلان هذا ابوه الذي ولده .. لا يهم طالما كل اطفال الحي ينادونه ب عم فلان فهو عنده أيضاً عم .
حرر قسم الموارد البشرية قبل عدة اشهر حيث اعمل مسودة خطاب لمكتب العمل تستأذنه كما يقتضي القانون في فصل احد العاملين بسبب الغياب المتكرر .أنحيت المذكرة جانباً ثم طلبت منهم ان يستدعوه ل مقابلتي . جاءني يافع في مستهل العشرينات من العمر سلمت عليه بحرارة و ود وطلبت منه الجلوس .. جلس على حافة الكرسى قلقاً .. سألته مبتسماً عما اذا كان يريد ان نستريح علي شرف هذه الجلسة بكوب من الشاي ام القهوة .. ؟ قهوة قالها و قد بدأ الهدؤ يعود الي محياه رويدا رويدا .. ابتسمت و قلت له ممازحاً لن اسألك كم ملعقة من السكر ، لكن تقديراً مني سأجعلها سبعة عشر ملعقة حسوماً .. ضحك و قال : لا ثلاثة ملاعق بس يا استاذ !! ناديت على من يقوم بخدمة ضيوف المكتب و طلبت اتنين قهوة .. احداهما بدون سكر .
سألته عن احواله ، عن الاسرة و الاهل ، الشغل و احواله ثم عرجت به للحديث عن فنيات العمل الذي يمارس ، و سألته عن بعض الفنيات الصغيرة في عمله ..الاسئلة التي كانت تأتي تباعاً اراحته بعض الشئ و الاجابات التلقائية كسرت الحاجز الوهمي الذي تصنعه تراتيبية الدرجات الوظيفية وفروقات العمر ، و قبل ان ينطلق ليتحدث عن ” مشاكل العمل ” جرفته بالحديث نحو مشكلته هو .. الغياب المتكرر عن العمل !! بدأ يتحدث باندفاع عال النبرة عن رئيسه في العمل و الذي لم يقدر ظروفه الاسرية .. اذ انه تلقى تلفون من مرافق خالته التي تتداوى في إحدى المستشفيات بعد ان بُتِرتْ رجلها و طُلِب منه احضار دواء معين ، استأذن لمدة ساعتين تكفي الزمن الذي قدره لانجاز المهمة ، ندرة الدواء المطلوب جعل مهمة الواجب المحتوم تمتد إلي ساعات ستة ، طاف خلالها بمثابرة و دأب صيدليات العاصمة بدراجته البخارية .. في الاثناء تلقى عشرات الاتصالات التي تطلب منه العودة الي مكان العمل للحوجة الماسة لفنيات وظيفته ، و في غمرة نزاع ماج في دواخله بين الواجب و الواجب قرر الانحياز للواجب الاول و ابلغ رئيسه في العمل ان مهمته في ايجاد الدواء لم تنتهي بعد و لن يستطيع العودة الا بعد تمامها و “الرزق علي الله “. كتمت ضحكتي و قد طافت بخاطري الطريقة السودانوية في معالجة المشكلات حين تتفاقم ، فقد تجاوز محدثي محطة (كان غلبك سدها ) و ( محل رهيفة تنقد) الي محطات لا تبالي بالنتائج و لا تحسب العواقب . ترصده رئيس العمل – و الحديث ما زال له – بغيابه هذا و راكم عليه سجل من الغياب ممتد ، وإقتطع من وقته زمناً غالياً في اعداد ملف كامل الدسم القانوني و بحيثيات تؤدي الي الفصل عن العمل و حوله الي قسم الموارد البشرية .. و قال محدثي انه حال سماعه لم فعل رئيسه المباشر قرر الغياب التام عن العمل حتى يجد له اعذار اضافية تستوجب فصله ، مرة اخرى جالت بخاطري طريقتنا في ايجاد حلول عبقرية للمشكلات حين تتفاقم و التي تبدأ بسكب الحساء الساخن على رأس الآخر و تنتهي بأجاوبد باركوها ، و ابتسمت هذه المرة . كنت انصت اليه باهتمام .. متدبراً مدخل حديثي لهذه الكائن الذي يجلس امامي يتحدث علي السجية و الطوية و الفطرة التي خُلق عليها كيف اتعامل مع هذه الاحاسيس المرهفة من الصدق التي تتحدث امامي .. هذا البركان من ثقافة سودانية متجذرة تحمل الواجب في كف و الواجب الثاني في كف ، كيف اعيد له توازن فطري خربه رئيسه المباشر حين طلب منه إبطال الواجب لاجل الواجب ، توازن يتطلب مني ان اجعل للقوانين و اللوائح و الممارسات اجنحة انسانية تطير بها ، توازن يجعلني ابحث في ثناياها عن روح و مقصد المشرع ، توازن صغته في جملة من كلمتين فقلت له بعد ان فرغ من حديثه ” الخال والد ” قفز من كرسيه عاليا و مد يده الي مسلماً بحرارة و هو يصيح ” مش كدة يا استاذ ” !!! .. حينها ادركت ان المشكلة قد حُلت تماما ، فقط بهذه الجملة المفتاحية ، اخيراً وجد من يفهم ان سبب غيابه ليس الا لاداء واجب يسمو فوق واجبه الاول ، واجب التأخر عنه لا يؤدي الي فصله عن طريق مكتب العمل بل عن طريق مجتمعه الذي يعيش فيه بما فيه اقربائه و جيرانه الذين يعملون في مكتب العمل ذاته . طلبت منه العودة الي مكان عمله ، و حال خروجه و اغلاقه الباب خلفه مزقت مسودة فصله خير تمزيق و قذفت بها الي سلة المهملات ثم رفعت سماعة التلفون اتحدث الي رئيسه المباشر .
هرعنا كلنا الي من ينادي في انفراجة باب العربة البوكس امام باب الحوش و قد انزل رجله اليمنى علي الارض ، هرعنا كلنا نتدافع بالرغم من انه قد حدد المُنادَى بالاسم . كان المُنادِي – بضم الميم و كسر الدال – “خالنا العزيز ” و كان المُنادَي – بضم الميم و فتح الدال – شقيقنا الاكبر قيمةً و مقاماً بدر الدين .
بدر الدين كان قد احرز المركز الاول متفوقاً علي كل اقرانه ، مما رفعه مكاناً عالياً عند الاهل و الجيران و الزملاء و الاصدقاء و شلة الدافوري و استحق عن جدارة جائزة ” خالنا للتفوق ” و الابداع في زمن كان يحتفى فيه بالتفوق و النجاح من مؤسسات الافراد ، افراد شادوا النجاح مجداً ، معاني و مباني و قيم و تفاني . قفز بدر الدين الي العربة البوكس ملوحاً لنا بعلامات التحية و الوداع و علامة النصر V . أطلق السائق عنان لساتك السيارة التي لم تتوقف الا في السوق الكبير امام متجر ضخم تكدست فيه الاقمشة التي وردت رأساً من الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس و من بلاد العطور و التوابل و الطقوس ، بلاد تركب الافيال ، كُتب في اعلى المتجر و من جميع اتجاهاته : حراير ، اقطان ، اصواف ، كنا نمر امام المتجر في طريقنا الي دار السينماء كل خميس ، نقرأ الكلمات الثلاث و نتجادل عما اذا كانت تأتي رأساً من انجلترا ام ان الحرير وحده هو الذي تأتي به الهند و الصين عبر طريق الحرير المشهور . و يحتدم الجدال مزهواً بمعلومة جديدة اتى بها من طالع مجلة الصين الجديدة التي وجدها في نافذة صالون عمنا علي صالح قاسريب ، دخل بدرالدين المتجر و طلب منه الخال ان يختار ما يروق له من الاصواف و الاقطان و الحراير .
عاد بدر بصيده الثمين زوج بديع من كل صنف و جلابية للعيد و أخرى لصلاة الجمعة . احتفينا به ك بطل عاد محملاً بكؤوس النجاح “محمولة جواً” اما هو فلم يأبه كثيراً للضجيج الذي افتعلناه حوله ، و هتافنا اعجاباً بنصره هذا ، بل نظر الي الكرة هناك جرى نحوها ، احتضنها بحب كحارس مرمى انقذ فريقه من هدف محقق ، أخذها من مكمنها في ركن الديوان و انطلق جرياً بها نحو الميدان فقد تأخر عن التمرين .
و هكذا مضت بنا الايام و تفرقت بنا السبل نحن الذين تجمعنا عند البوكس موديل منتصف السبعينات تحت الشجرة .. اطفال الحي ، اولاد الاهل ، ابناء الجيران و انفض سامرنا عن المدينة العروس الا هو .. الا بدرالدين .. بقى بها كالطود وحده يحمل الكرة الي الميدان برعماً ناشئاً و لاعباً في الروابط لا يشق له غبار ، وفي اندية الدرجة الثانية و الاولى في المدينة ، ثم مدرباً و ادارياً يعمل في صمت يعف عند المغنم يغشى وغى العمل العام و لا تنتاشه سهام الوقيعة لانه بدر الذي يعرفه الجميع وديعاً ، مسالماً له من حطام الدنيا كلمة حق يرمي بها في مستحقها ثم يمضى لا يبالي و لا يلوي على شئ ، بل انه كربون الذي يعرف تماما “متين يصبح حريق و متين يبقى المطر ” وأشهد انني لم اره الا مطر عافية اينما وقع نفع بل هو انشودة المطر ذاتها التي عناها سميه بدر السياب ( ينثر الغلالَ في موسم الحصادْ ) صياداً حزيناً يجمع الشِّباكْ وينثر الغناء حين يأفل القمر ، يحمل صينيته وحده عند ناصية ضرا رمضان .. و يشيل ( غداه ) قُداحة خير عند ضراء المدينة .. و “شوبش” و ختة و كشف فرح عند كل عاقبة لديها في المسرات عروس الرمال .. يتسلل عند انفضاض السامر الي الحوش الكبير و الي جواره المذياع يضبط مؤشره الي بث البي بي سي و يستمع . حدثني ذات عيد ان مناسبات الابيض في هذا اليوم قد ناهزت الستين سألته باشفاق و هل ستذهب اليها كلها و أعلم في قرارة نفسي انه سيحاول ، اشاح بيده في حركة معتادة و قال كتييير منها !!! اعلم يقيناً انه سيجول المدينة بطولها و عرضها يلبي واجباً اجتماعياً التأخر عنه عيب بواح ، تقصير لا يُغتفر، و منقصة لا يداويها اعتذار .
حيوا معي ” الخالة الوالدة ” التي لا اعلم من هي .. و اين هي الان و التي اعادت توازن الواجب و المستحيل ، و التي أنسنت القوانين و اللوائح و صيرت لها قلب ينبض و حنايا تشعر و تحس ، و هيأت لها انسان ينافح عنها و يذود بجأش رابط و قلب سليم و ينتصر .
حيوا معي “الخال العزيز ” الذي شاد و ساد مؤسسة الوطنية للفرد في حفز النجاح و تشجيعه ، فحقق المعنى و المبنى ، رضاء النفس و اسعاد الاخرين .
حيوا معى بدرالدين ” كربون ” يحمل ذات اللقب الذي اكتسبه ذات مبارة لكرة القدم حيوا معي أيقونة عروس الرمال و قطبها الرياضي – الاجتماعي الذي لا يشق له غبار ، ظل هو كما العهد به “لمينة” بيتها ، و ركازتها الثمينة ، مدخور معينها الذي لا يرده الا صحواً .. و عند ناصية حلمها يقف ، يصول و يجول بلقبه ( كربون ) في ميادين الرياضة و في سوح المجتمع العريض في عروس الرمال يؤدي الواجب سراءً و ضراء ، و عندما يصبح الواجب مستحيلا يؤديه طائعاً بطبع جُبل علي حب مدينة لم يبرحها في حياته سوى مرات خمس وللشديد القوي ، ثم يأوى الي الحوش الكبير يستمع الي اذاعات الدنيا كلها وهنا امدرمان وينام مرتاحاً قرير العين بابتسامة راضية وقلب رضيع.

مواضيع ذات صلة

همس الحروف.. سلسلة إتفضل .. من غير مطرود بقلم : الباقر عبد القيوم على

azza press

تحت الشمس.. شادن.. صعود باتجاه العالمية بقلم : محمد خير عوض الله

azza press

علي كل.. محمد عبدالقادر يكتب : معالجات جبريل.. ( انتظروا الله في الكريبة).!!

azza press

بالواضح.. فتح الرحمن النحاس.. أفعالهم ترتد إلي نحورهم..!!

azza press

الزاكي طمل.. البلايا في طي المزايا.. البطولة والمأساة.. بقلم : ياسر عرمان

azza press

شهادتي لله.. الهندي عزالدين يكتب : ماذا كنتم فاعلين لو استقال “حمدوك” ؟!

azza press

اترك تعليق