المقالات

سد النهضة.. والأمتار الأخيرة بقلم : علي مالك عثمان

شهر يونيو على الأبواب، وتبقت له أسابيع قليلة تُعَـدُّ على أصابع اليد، ومعه تبدأ أثيوبيا المرحلة الثانية لملء السد، والتي إذا إكتملت ستضع فيها أثيوبيا دولتي المصب، مصر والسودان، أمام أمرٍ واقع غير قابل للتغيير، لأنه بإكتمال مرحلة الملء الثانية هذه يستحيل القيام بأي عمل عسكري يؤدي إلى تدمير السد، وذلك بسبب الإغراق الكبير والمتوقع للجغرافيا التي تقع أسفل هذا السد وحتى منطقة أسوان، حيث يتواجد السد العالي.. بالتالي لم يعد هناك متسع من الوقت أمام دولتي المصب للتحرك وإلزام الجانب الأثيوبي بتوقيع إتفاقية ملزمة، تُشْرِك دولتي المصب في عمليات ملء وتشغيل هذا السد، وإلا فلا مناص من العمل العسكري.

الجانب الأثيوبي رفض كل الوساطات الدولية والإقليمية التي عُرِضت عليه لتوقيع هذا الاتفاق المُلزِم، وقابل كل تلك العروض بالإعراض والصدود، ومضي قُدُماً في تنفيذ مخططاته، غير آبهٍ بمخاوف وتحفظات دولتي المصب المشروعة في تقديري.
أثيوبيا بهذا التعنت تنسف كل الحجج التي تدعيها من أن هذا السد شُـيِّدَ من أجل التوليد الكهربائي، وليس الإضرار بدولتي المصب من خلال التحكم في كمية المياه الواردة إليهم. فإذا كان إدعائها هذا صحيحاً فلماذا ترفض القبول بإتفاقية دولية ملزمة لها، تُجبرها على فتح قنوات المياه وتتركها تذهب لدولتي المصب؟ وذلك لأن إنتاج الكهرباء لا يستلزم حجز المياه في بحيرة السد!

أثيوبيا بالأمس استشعرت خطورة هذا الصمت الشديد الذي تمارسه السلطات المصرية حالياً، وأدركت أنه ربما يكون ” الهدوء الذي يسبق العاصفة”، فسارعت بتقديم مذكرة عاجلة لمجلس الأمن الدولي، متهمةً دولتي المصب بالقيام بأعمال تتجاوز التهديد بالعمل العسكري، وذلك من خلال إجراء مناورات عسكرية مشتركة بحضور وإشراف قائديْ الأركان في جيشيْ البلدين. لذا لا أستبعد أبداً حدوث أمرٍ جلل خلال شهر مايو الحالي هذا.

الإعلام الرسمي المصري هذه الأيام يمارس صمتاً كبيراً تجاه هذه القضية الحيوية بالنسبة للشعب المصري، والتي تَـمُسَّه في صميم أمنه القومي، وذلك ربما عملاً بالحكمة التي تقول: ” أن عنصر المفاجأة في الحرب يمثل نصف النصر”. لكن في المقابل كان الإعلام الموازي، المُتمثِّـل في وسائط التواصل الاجتماعي، حافلاً بالعديد من المداخلات والتعليقات، ومن قِـبل نخب مثقفة ومفكرين ليسوا على عداء مع حُكْم السيسي، حتى يُتَّهموا بالمزايدة والتكسُّب السياسي. وهذا يدل على أن أزمة السد، وما وصلت إليه من تعقيد، باتت الشغل الشاغل، والهَمْ الكبير لكل مصري، وبالتالي لا يمكن التغاضي والتغافل عنها داخل مصر بأي حال من الأحوال.

معركة سد النهضة بالنسبة للجانب المصري في تقديري هي معركة الجيش المصري بإمتياز، وهذه الأزمة تضع هذا الجيش في إختبار حقيقي، خاصة وأنه المُسيطِر على الحياة السياسية في مصر منذ سقوط الملكية عام ١٩٥٢م. كما أن هذه المشكلة هي مسألة حياة أو موت بالنسبة للمصريين كما أشرنا، وقد فشلت معها كل الحلول السياسية والدبلوماسية، لذا لم يعد هناك مفرٌّ من العمل العسكري. وهذا في تقديري سيجعل مسؤولية الفشل في مواجهة هذا التحدي الذي تواجهه مصر حالياً تقع بالكامل، ليس فقط على نظام السيسي وحسب، وإنما ستنسحب لتشمل كل مؤسسة الجيش المصري، وستفتح عليه ملفاتٍ مسكوتٍ عنها مثل استئثاره بالاقتصاد، وسيطرته على الحياة السياسية. في المقابل أي نجاح يحققه الجيش في مواجهة هذه الأزمة سيُبْقِيه على رأس الحياة السياسية في البلد لسنواتٍ أخرى طويلة قادمة. بكلمة أخرى يمكننا القول إن شرعية الرئيس السيسي، وحُكْم الجيش، هما الآن على المِحَك، ومتوقفان على طريقة معالجتهما لهذه الأزمة..

القيادة المصرية في تعاملها مع أزمة سد النهضة في تقديري أحسنت صنعاً عندما نجحت في جرِّ السودان لمربعها، وتوافقت معه في ضرورة إجبار أثيوبيا على توقيع اتفاق قانوني دولي ملزم لها لتشغيل وملء السد. هذا التوافق بين دولتيْ المصب مهم جداً لهما في تعاطيهما مع هذا الملف الحيوي لهما، خصوصاً للجانب المصري، على الرغم من تأخُّر مصر الشديد طوال سنوات هذه الأزمة في إقناع السودان من تضرره هو أيضاً في حال الملء الأحادي للسد من الجانب الأثيوبي دون اتفاقٍ ملزم. ولكن كما يقولون أن تأتي متأخراً خيرٌ من ألَّا تأتي.

في ظني أن أكبر سبب أدَّىٰ لهذا التوافق بين دولتي المصب حول هذا التحدِّي الهام والحيوي لهما هو إندلاع ثورة ديسمبر المجيدة، وتَغَـيُّر نظام عمر البشير في السودان. وذلك لأن نظام البشير كان يضع قضية سد النهضة في مقابل أزمة حلايب، وكان يثق تماماً في الجانب الأثيوبي، وعلاقاته معه كانت ممتازة، وكان لا يرىٰ في سد النهضة أي تهديد، حتى ولو مستقبلي، على السودان. بل كان ينظر فقط للفوائد التي يمكن أن تعود على السودان من قيام هذا السد دون أن يسأل نفسه عمَّا هي الضمانات التي ستُجبِر الجانب الأثيوبي من تنفيذ تعهداته تجاه السودان؟ عليه فإن الأخوة في مصر في تقديري مدينون جداً لدماء شهداء ثورة ديسمبر المجيدة ولتضحيات الشعب السوداني فيها. وهذا في ظني يفرض على الأخوة في مصر أن ينظروا لمصالحهم على أنها لا يمكن أن تتحقق أبداً من دون تحقيق مصلحة الشعب السوداني، وذلك لأن مصلحة الشعبيْن مترابطة ارتباط الروح بالجسد، وليس كما فعلوا في بداية هذه الأزمة، عندما حاولوا، من خلف ظهر حكومة البشير، أن يُقنِعوا الجانب الأثيوبي بأن يكون ملء السد من الفائض من حصة السودان، بحجة أن هذا الأخير لا يستفيد من ذاك الفائض!!.. والسلام..


مواضيع ذات صلة

همس الحروف.. تجميد قرار زيادة تعرفة الكهرباء (إنجاز بحجم وطن)… شكراً جزيلاً برطم بقلم :الباقر عبد القيوم علي

عزة برس

سيوف ناعمة.. جبريل والدوشة بقلم : عائشة الماجدي

عزة برس

فتح الرحمن النحاس يكتب : أحذروا ألغام فولكر..

عزة برس

بعد بيان الترويكا والاتحاد الاوربي ..عراقيل دولية امام الحكومة السودانية

عزة برس

بيانات الترويكا الدولية، ومستقبل الإنقلاب.. بقلم: د. علي مالك عثمان

عزة برس

جهاز الأمن بين الجاهزية والإجهاز بقلم : عمار العركي

عزة برس

اترك تعليق