المقالات

إبراهيم أحمد الحسن يكتب : سلامات ملام

قبل أن تفرك عينيك جيداً من بقايا نعاس الصباح الباكر، تنهض مذعوراً لأن أحدهم طرق على عينيك وباب الشارع دفعة واحدة. ذهبت تجرجر ساقيك لتفتح الباب، وحين انفرجت الضلفة ببطء، إذا بالزائر يخرج لك لسانه كله من جوف حلقه حتى بانت لوزته الثالثة، تماماً كما يفعل القط توماس للفار جيري في سسلسلة الكارتون الشهيرة.
عند القليلولة، طرق آخر الباب. ذهبت لترى من يكون، وقبل أن تقول له: مرحباً، هجم الطارق على رجلك اليمني مثل كلب مسعور، وأمسك جيداً بباطن قدمك ومرّغ بها وجهه بعد أن انحنى بزاوية حادة جداً، أحدّ من من دهشتك لهذا المشهد الذي يفوق الخيال!
في المساء، ارتجّ الباب بالطرقات. لم يمهلك الضيف حتى تخرج له بكامل جسدك. كفاه وجهك الذي ظهر بين ضلفتي الباب، و(كشح) عليه ماءً بارداً أطار عليك صواب النوم ليلتها، والأيام التالية.
هل تصدّق عزيزي، أن التجارب المريرة أعلاها على مسرح الباب، ليست إلّا طرائق للتحية والسلام عند قبائل شتّى في الكرة الأرضية؟!
من مدّ لك لسانه، جاءك من هضبة التبت نواحي الهملايا مُسلمّاً، ومن مرّغ وجهه برجلك اليمنى حباً وكرامة، ينتمي إلى بعض جُزر الفلبين. ومن غسل وجهك بجردل موية فجائية، أحد أهالي جزر المحيط الجنوبي .
مكثت بين أهلي في أندونيسيا أكثر من ثلاث أعوام، تعلّمت فيها لُغة البهاسا وأجدتها، حتّى أنّ الجامعة التي كنت أدرس بها، كلّفتني إنابة عن الطلاب الأجانب في (باندونغ)، للحديث مع الرئيس الراحل (سوهارتو) حين زار جامعتنا.
تزيّنت بالجلابية السودانية وأحكمت لفّ عمامتي وقابلت الرئيس سوهارتو. كان الوقت المخصص لحديثي إلى معاليه، ثلاث دقائق فقط كما طلب رجال المراسم، لعلها قدرتي على التحدّث بلغة الباهاسا الإندونيسية وسطوة الجلابية السودانية البيضاء، المُبهرة، نزعت عن الرئيس سوهارتو غطاء البروتوكول الحديدي، و(عملت البساط أحمدي)، واسترسل الرئيس في الحديث معي، وأنا أجيبه بعين، وعيني الأخرى على رجال المراسم الذين وجفت قلوبهم وصعدت إلى الحناجر.
نفذت إجابات أسئلة (الاسبوتنغ) التي وضعوها لي، وتوقّعوا أن يسألني عنها الرئيس سوهارتو، وصار حديثنا تلقائياً عن أحوال طلّاب الجامعة الأجانب وحال السودان وأهله. رأيت القلق وقد استبدّ على سفير السودان في جاكرتا وقتها، السفير الراحل صالح عبده ماشامون، رأيته غارقاً في إطراقة يقظة، وابتسامة دبلوماسية حذرة ومتوجّسة تطلّ من بين أساريره البسّامة الواثقة.
كان يبدو السفير ماشامون، وكأنه يعتصر خبراته الهائلة، تحسباً لتدخله متى ما ما سبّبت له (جلطة) دبلوماسية غير متوقعة!
اجتزت امتحان لقاء سوهارتو بنجاح، وكان مفتاح مروري، مدخل تحية سودانية دافئة مزجتها بكل حركات وسكنات تحايا أهلي الأندونيسيّين. ولا أبالغ لو قُلت، إنهم يخصصّون تحية بعينها على رأس كل ساعة، مثلها ومثل نشرة أخبار هيئة الإذاعة البريطانية .
في السودان، لن يظن زملائك بك خيراً، إذا جئتهم عند الظهر رافعاً يدك بالسلام وأنت تهتف: “تحية الظهيرة يا شباب”، وربما رموك بالطوب الأحمر والأخضر والأسود لأنك متنطّع غيّاظ. ولو قلت لأهل بيتك: “عصر الخير”، ربّما ساقوك قسراً إلى (الفكي) ليلهب ظهرك بالسياط حتى يخرج الجنّ الذي تلبّسك.
ولو ذهبت إلى ميدان الدافوري متأنقاً لتلقي عليهم تحية: “أصيل الخير”، فستعود دامياً مرجوماً ومكلوماً، خاصة لو صادفت تحيّتك الغريبة، هزيمة فريقهم (ستة صفر).
الأصيل في لغة العرب، هو الوقت بين العصر والمغرب. ومع ذلك، تُحظى كل هذه الأوقات عند أهلي الأندونيسيّين بتحايا خاصة. مُبجّلة ومقدسة يحرصون عليهاحرصاً فائقاً، لأن تجاوزها ضربٌ من عدم اللياقة وسوء الأدب.
تسبق التحية عندهم، كلمة (سلامات)، وتنطق هكذا على لفظها العربي. تحية الصباح عندهم: (سلامات باقي). وتحية الظهر: (سلامات سيانغ). وتحية الأصيل: (سلامات سورى). ونهارك سعيد، هي: (سلامات هاري). وتحية الليل، هي: (سلامات ملام). والملام هو الليل! وحقاً، الليل كله ملام وملامات.
تحية النوم: (سلامات تيدور) وهي بمثابة (تصبح على خير). وتحية السفر: (سلامات برغي). وتحية العودة: (سلامات داتانغ). وتحية الشفاء والحمدلة من المرض: (سلامات ساكت). وساكت هو المرض بلغة البهاسا. لذا يسمّون المستشفى: (روما ساكت). أي بيت المرض، لأن روما تعني بيت.
ولحكمة ما، يقولون: (بيت المرض) على المستشفى، وليس (بيت الشفاء). كما يسمّون المطعم: (روما مكان). ومكان هو الأكل بلغة الباهاسا. هنا، يصير المطعم (بيت الأكل).
لا تقابل كلمة بيت، معنىً ومبنى عندنا في السودان، الا بعض بيوت تحتشد فيها المشاعر كما في حالة (بيت البكاء) و(بيت العرس) و(بيت الزار). هو نفس البيت، فقط يكتسب صفته حسب الحالة التي عليه ونوع النشاط السكّاني فيه وقت اطلاق المُسمّى!
الشعب الأندونيسي، راقٍ وشديد التهذيب. عريق الحضارات وأصيل الأرومة ومتعدد الأعراق. متنوّع المشارب في وحدة راسخة وسلام مقيم. لذا، يتخذ من كل الأوقات مناسبات لتبادل التحايا وإفشاء السلام .
تتنوّع في العالم كله، طرائق التحايا وتتعدد. وأغربها كما رأيت، تحية التشبثّ بالذقون واللحى وشدّها إلى أسفل عند بعض القبائل الهندية الهندوسية.
وربما سمعتم أو شاهدتم أو خضتم غمار السلام الدائري الذي يخوضه بعض أهلنا في السودان، وهو يشبه الكسر العشري الدائري، مثل قسمة العدد عشرة على ثلاثة. ما لم تُقرّب النتيجة إلى أقرب منزلتين عشريّتين، سيمتد معك الرقم ثلاثة بعد الشَرْطَة العشرية مزاحماً الأفق لا يكبح جماحه شيء!
يبدأ السلام الدائري بـ (الله يسلمك الله يبارك فيك. الله يعافيك الله يسلمك. طيبين، الله يعافيك الله يبارك فيك، الله يسلمك طيبين. الله يسلمك..). وهكذا، يستمر كسر السلام الدائري بلا نهاية. وهكذا يتبادل أهلنا بحنان دفّاق، التحايا والسلام.
للسلام والتحايا في السودان، بروتوكول صارم يحدد مقامك بين الناس. لأن (عدم السلام، جفا). ولأنّ الكلفتة في السلام سيوقعك تحت طائلة ملامة عزمي أحمد خليل بصوت مجذوب أونسة:
“ده ما سلامك/ ما سلامك/ ولا الكلام الكان زمان/ هسّع كلامك/ وللّا يعني نويت تسيبنا/ وفي الخريف تحرم غمامك”؟
ومع حالة الصد العنيف المخبوء في حنايا الأغنية، والسؤال الملحاح عن أسباب (كونك تجي بعد الفرقة تسأل)، لم يجد الشاعر من لهفة الريد والسلام، غير أن يعود بخفّي شوقٍ. حين قال: “شلنا شوقنا رجعنا بيهو/ وما ندمنا على سلامك”. قالها بعد أن يئس من (ذكرى ساكت للمحبة) في عيون أثيرته الجميلة، وقد بذل لها حواشي السلام ومتون الهيام، و(سالمناك بطيبة و.. ومشيت ليك مشوار يفتّر).
السلام الصامت ليس حكراً على الأغنيات وحدها. هناك سلامٌ صامتٌ يؤديه السودانيون في بعض مناحي البلاد، ووقفت يوماً مشدوهاً وأنا أرقب طقوسه.
يمد الضيف يده للمضيف، دون أن ينبس أيّاً منهما ببنت شفة. ربما همهمات مكتومة من الطرفين ورأسهيما منكّس إلى أسفل وأصابعها تتشابك وتنفض سريعاً في ثوانٍ كافية لتسري حرارة الترحاب في العروق. ولعمري هو سلام (كتّامي) جداً، لكن يتفجّر منه مشاعر جيّاشة وطاغية تجاه الضيف.
لم أحد تفسيراً لهذا السلام في وضع الصامت، غير تبريره بمتلازمة الضن بالمشاعر الذي يشكو منه غالب السودانيين، وهو ما أعلن ضجره منه الراحل حمد الريّح وهو ينشد: “سلّم بي عيونك/ لو عز الكلام/ سلّم يا حبيب/ ياما عشان عيونك شلناها المحبة”.
ويعجبني في الشاعر محمد عبدالله الأمي، رفعه راية السلام البيضاء،: “وآخر ما أقول في كلامي.. شكراً/ بعدو بهدي سلامي/ العفاف والرقّة لي سيادتك أسامي/ يا حبيبي رحامي/ ما استطعت أجيب معاي محامي”.
وأنا أسلّم عليكم بعيوني وأصابعي و(جردل الموية)و بالتحايا الصامتة و بالرموش لو عز الكلام و علي رأس الساعة ، لن أنس الفنان سيف الدين الدسوقي، جعل الله رمضانه أجمل في الجنة، لأنه الشاعر الذين عظّم سلام السودانيين بقوله:
“الناس في بلدي يصنعُون الحب/ كلامهم أنغام ولونهم بسّام/ وحين يتقابلون/ ينطقون بالسلام/ عليكم السلام عليكم/ السلام عليكم السلام”.


مواضيع ذات صلة

بينما يمضي الوقت.. أمل أبوالقاسم تكتب : وحدة “البرهان” و”حميدتي”.. ووحدة الاتحادي الديمقراطي

azza press

كل شئ هادئ في العناية المركزة.. بقلم : إبراهيم أحمد الحسن

azza press

“قيدوني بالسلاسل وضربوني بسوط العنج” .. الصحفي عبد المنعم مادبو يروي قصة اعتقاله بجنوب دارفور

azza press

بكري المدني يكتب : البرهان هل يظل (قلب)الجيش والشعب الواحد ؟!

azza press

شهادتي لله.. الهندي عزالدين يكتب : مبادرة “حمدوك” ..لا جديد في الفكرة (السِحلية) !!

azza press

بالواضح.. فتح الرحمن النحاس يكتب : مبادرة الزمن بدل الضائع.. النعي والإعتراف الخجول..!!

azza press