الأخبار

إبراهيم أحمد الحسن يكتب : أمي نورا…

بلاك فرح العمر والعيد.. رهاب ورهاب
سراب.. يانورة غشاش السرّاب.. كضّاب

و لانها رحلت في المدينة التي احبتها الابيض بصلاتها الاجتماعية الباذخة كان لا بد ان ننصب سرادق العزاء الرئيس عند البيت الكبير هناك و لانه رحيل الوالدة و لانه رمضان و لانها الأبيض و لانه المطر مدرار لانه كل ذلك ..و لعمري حين تكالب علي و بلا هوادة هذا الدفع الرباعي فجعلني لا استطيع ان أميز مدرار الدموع و هي تجرف حبات المطر المتساقطة علي وجهي من دموع المطر التي كانت تبكي علي رحيلها . يا لهذا الماء و الثلج و البرد الذي يرتطم علي زجاج العربة و كأنه يواسيني بأن الله اكرم نزلها و وسع مدخلها و نقها كما الثوب الابيض من الخطايا . يا الله !!! كيف استطعم دخولي المدينة العروس بلا استقبال حاشد من المشاعر و بلا معتاد السلام من امي ، لا بل كيف هو رمضان بدون دعوات صادقة تقول فيها ( ان شاء الله ترجوه تامين و لامين و سالمين ) . بل كيف يبدو عبق الحلو مر و مذاقه و الذي ما كان الا حلوا صنع يديها .
ولان المشوار الي الابيض طويل و الدنيا رمضان فضلت العودة سريعا لمقابلة المعزين في الخرطوم .في الطريق اتصل علي (ابن الحاج ) و لا يهم من هو ( ابن الحاج ) فهو ابن الحاج و هذا هو اسمه الاول ، اتصل و قد بدأ محادثته معاتباً علي انقطاع تلفونه عن الخدمة و طلب ارجاع الخدمة و قال لي انه يحدثني من باحة المسجد النبوي الشريف بعد ان استلف هاتف احد اصدقائه وعدته بان انفذ ما طلبه و القيت عليه خبر وفاة والدتي فبدأ متأثراً جدا و عزاني بعبارات صادقة ثم قال لي ان لديهم اليوم ختمة للقرآن في المسجد النبوي و سيهديها لروح الوالدة ، شكرته ثم واصلت السفر .. تقاطر المعزون مذ وصولنا و في اليوم الثاني مباشرة و اذكر انه كان جمعة ، جاءني من يعزيني و هو يعتذر للتأخير و انه كان ينوى الحضور باكرا الا ان ذهابه الي عزاء ( أبن الحاج ) قد اخره .. أبن الحاج من ؟ سألته .. رد و كأنه يستنكر سؤالي أبن الحاج الواحد دا !! ثم اردف توفي في الحرم و هو عائد من التراويح و بعد ان ختم القرآن .. أغمض عبنيه و اسلم الروح !!! قلت له و كأني احدث نفسي و لكنه وعدني بان يهدي ختمة القرآن لروح الوالدة !! سألني و هل تحدثت اليه .. حكيت له امر المحادثة الهاتفية معه و انا في الطريق الي الخرطوم ، بكى الرجل ثم رفع يديه بالفاتحة يعزيني فيه .. له الرحمة و المغفرة الرجل الصالح الذي جاور في رمضان .
رحلت والدتي في مثل هذه الايام المباركات من رمضان راضية مرضية بإذن الله. و جاء الصديق السر عثمان الطيب للعزاء. جلس طويلاً. كان حزيناً وطفق يحدثني بأنه عندما تموت أم صديق له، يهرع إلى والدته ويمكث عندها ثلاثة أيام حزناً على رحيل (أم صديقه) ويلتمس الأمان عند امه زينوبة من جور الزمان . حدثته طويلا عن امي و دعواتها و رمضان و حدثته بالوعد المبذول من ابن الحاج بان يهدي روحها ختمة القرآن و ما كنت اعلم انها القراءة الاخيرة له علي اعتاب الجنة في شهر رمضان . حكيت له عن ( الحلو مر ) الذي كان يأتينا طاذجاً صنع يديها و كنت اباهي به اصدقائي عندما يحضرون للافطار عندنا ، حكيت له عندما اتصلت عليها الليلة التي سبقت وفاتها و قلت لها انني دوما اباهي ب الحلو مر الذي ترسله لنا طعم و لون و رائحة ، بل البارحة فعلت الشئ ذاته مع اصدقاء حضروا الافطار معنا و حكيت له كلماتها ذاتها حين قالت ( يا يابا يا حليل الحلو مر و حليل أُمك ) حكيت له انني و في حالة انكار لا شعوري هربت نافذا من عبارة ( حليل أمك ) هربت من عمق كلامها و مدلولاته و اشارته المخبؤة الي الحديث عن الحلو مر ، حكيت له كيف انني ذهبت اليها قبل عشرة ايام من وفاتها و مكثت معها اسبوعاً كاملاً قضيته الي جوارها لا ابرح و كيف انها ودعتني حتي الباب و هي تردد .. ودعناك الله … ودعناك الله .. ثم و كأنها تذكرت رمضان الذي بان هلاله من خلف اواخر شعبان يطرق علي الابواب فاردفت قائلة وقد اودعت شغاف قلبي و عمق الحنايا دعوتها الاثيرة ( و ان شاء الله ترجوه تامين و لامين و سالمين ) .. حكيت للسر كل ذلك والفيته مطرقاً ينصت في حزن و لا ينبس ببنت شفة .. وفي العيد و بعد أيام من الوفاة حضر (السر) مرّة أخرى و دس في يدي قصيدة (نورا بت أحمد). كتب في مقدمتها: (دمعة سكبها جناها ، وكتبها شعراً: السر عثمان الطيب). قال فيها:
وكانت آخر الدعوات..
ثلاث كلمات..
(ودعناك الله يا إبراهيم)
***
وفاتت.. نورة بت أحمد.. على السموات
مع الصُلّاح..
مضت, والروح تضُوع عنْبر مع النَسمات
عبق فوّاح
تشُر فوق ناسنا..
فوق شُفّعنا.. كَم غيمات وضَلّالات
تلاقي هناكا جدي (نصر)
فجُر.. والسبحِي في إيدُو.. ويصلّي.. فُجر
فرَش تقْرُوقْتُو لي رُوح نورا واتلقّاها بالبَسَمَات
دُخر لي يُوم مجيها نَذُر
بشيشِي.. بشِيشي وسّدا إيدو..
ساندِي قَفَاها سَعْفات من (حُقابنا).. خُدر
قَبَايل الرّحمة في رمضان
يوصّي, يوصّي في (ابن الحاج)
يمسح فوق جبينا الناصع الوهّاج
نَدَى زمْزَم
يكّتر في الصلاة وتسليم..
دُعا العُمّار مع العاقبين على البيت العتيق.. حجّاج
وشال أدّاها من هين المحنّة تُمر
من الكوثر.. سقاها شخَبْ (حلو) مُو (مر)
تحلّل في الصيام.. تَنْده:
(يغتّيك الله يبْراهيم
ويحفظك الله يبْراهيم..
وتُوب العافِي يكْسِيك كلّما تتمدد الأيام حبالا عُمر)
***
مع الأيام..
بلاك يا نورا.. يا نوّارة الأُمّات
(رُؤانا) تشوف مع صادق الرُؤى.. الأحلام
منام.. ومنام.. كأنك يُمّة طيف لفّح حنين هندام
مُدّثر بي طُيوب الرّحمة والأنوار.. ولَاَ قدّام
على جنّات نعيم مُولاكي واهب رزقو والأقسام
خُطاك تدخل كما الأنسام
كبنْقَري.. همبريب.. في الرّوح وفي الأجسام
وتقدلي يّمة فوق السُندس المفرُوش أمان وسلام
***
(دُعانا).. حلُول صباح العيد
وكان يا نورا بت أحمد..
دا أول عيد.. جرِحنا جديد
دا أول عيد
بعد فُوتك يحل في دارنا مكرُوف فيهو طعم الموت
ولون الموت.. وريحة الموت.. قديم وجديد
من الأزل البعيد وبعيد!
دموع الفرقة.. دمعة ودمعة شلالات..
بنبكي شديييد
وكت يا يُمة ما نلقاك تسالمي تقالدي للأحباب
وعن كُلْ باب.. تَدُخْلي تَمُرقي بي ترحاب
تباركي تهنّي للجيران بعُاد وقُراب
تفكِّي الصارّا في طرف الهِدم.. عيديِّي
والأفراح معاكي قُراب
وما نلقاك
تضُمي جنا جناك (أحمد) يشابي عليك مع الأصحاب
وما نلقاك وما نسمع – صباح العيد – دُعاكي تقولي:
تامّين, ترجُو
لامّين, ترُجو
سالمين, ترُجو يبْراهيم
***
بلاك فرح العمر والعيد.. رهاب ورهاب
سراب.. يانورا غشاش السرّاب.. كضّاب
وراك يُمة, الحزن قيساب
وبعدك يمة وهْداب الزمن.. وهْداب
ودُولاب الزمن.. قُولاب
وقلّاب, الزمن دُولاب
ومن خلقو البشر يايمة, ما ودّا البكا ولا جابْ
فيا سبحانك اللّهم.. يا حنّان ويا منّان
ويا واهب وجُود الكائن الانسان
ويا قابض طلُوع أنفاسنا والأرواح
ويا آمر بـ (كن) فيكون, وكان.. قد كان
مغيب الشمس والإصباح
ويا خابر سكُون الحركة والمِرواح
من دنياكا.. لي علياكا
جاتك نورا بت أحمد عشان ترتاح.. مع الصًلّاح
وكانت آخر الدعوات.. تلاتْ كلمات..
(ودعناك الله يبْراهيم)
***
وآخر زادنا كان يانورا بت أحمد
تلاتْ تِيّام.. نهار وصباح
وكم شُوفات.. وكم نظرات
على الوجه الحنون ورحيم
صبوح وحميم
وكم دعوات:
(يغتيك الله يبْراهيم.. ويحفظك الله يبْراهيم..
وتوب العافي يكْسِيك كلّما تتمدّد الأيام حُبالا عُمر).
***
وفاتت نورا بت أحمد.. على السموات
مع الصُلّاح.. مع الصُلّاح.. مع الصُلّاح


مواضيع ذات صلة

تشهد الخرطوم غدا السبت إطلاق الدفعة الثانية من مشروع المائة مليون وجبة بمعرض الخرطوم الدولي ليشمل سبع ولايات سودانية..

azza press

في ذكرى هبة سبتمبر ٢٠١٣م.. حزب الأمة يدعو الى إستكمال التحقيقات في كافة الجرائم

azza press

محمد الفكي : إصدار قانون يصنف المؤتمر الوطني نشاطا ارهابيا ليس عمل لجنة التكفيك ويحتاج لتشريع سياسي .

azza press

استرداد 13 محلج لصــالح مشروع الجزيرة

azza press

الفكي : هناك انسداد في الأفق والعلاقة بين المكون المدني والعسكري في المجلس ليست بخير

azza press

‏ود الفكي: البرهان ليس وصِيّاً على العملية السياسية والعسكر مجرد شريك

azza press